رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر [1] يدل على أن مصطلحهم في الحدود إطلاقها على المقدرات التي يطلق عليها الفقهاء اسم الحد، وما عدا ذلك لا ينتهي إلى مقدار.
ورد بما سبق بيانه بورود النقل في إطلاق الحد على غير المقدرات، والحديث المذكور لا يدل على نفي إطلاقها على غيرها.
وثانيا: أنا إذا حملناه على ذلك وأجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد لم يبق لنا شيء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط؛ إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا تجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم، وأصل التعزير فيه ممنوع فلا يبقى لخصوص منع الزيادة معنى [2] .
ورد: بأن المنع من الزيادة على عشرة أسواط يختص بما كان للتأديب؛ كضرب الزوجة مثلا؛ إذ هو جائز لحق الزوج، أو أن المنع من الزيادة مختص بالصغائر، قال ابن حجر رحمه الله: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير، فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد؛ كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة) [3] .
الثاني: قصره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الاصطخري من الشافعية.
وأجيب بأنه قد وردت رواية بلفظ الضرب، فلعله لم يقف عليها.
الثالث من المناقشات: أن الحديث منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة.
ويجاب: بأن ذلك احتمال، ولا يثبت النسخ بالاحتمال، ولا تعارض حيث أمكن الجمع بين الأدلة بما سبق ذكره في الوجه الأولى من المناقشات.
الرابع: انعقاد الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود، وهذا الحديث يقتضي تحديده بالعشر فما دونها فيصير مثل الحد. وبالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الأمام؛ لأن التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد؛ فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه.
(1) أخرجه مسلم في باب حد الخمر، ح (1706) ، صحيح مسلم ج3/ ص1330.
(2) ينظر إحكام الأحكام ج4/ ص139.
(3) ينظر فتح الباري ج12/ ص178.