وإن كنتم أيها المتداينون على حال لا تستطيعون فيها التوثق بالكتابة وذلك مثل: حال السفر وفقد الكاتب، فالذي يستوثق به رهان مقبوضة.
وأما السنة:
1 -ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد.
وفي لفظ: «توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير» [1] .
2 -عن أنس - رضي الله عنه - قال: «ولقد رهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درعه بشعير» ومشيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبز شعير وإهالة سنخة .. ولقد سمعته يقول: «ما أصبح لآل محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا صاع ولا أمسى وإنهم لتسعة أبيات» [2] .
وفي رواية أخرى لأنس: «رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله» .
وجه الدلالة من الحديثين:
أن الحديثين مع تعدد رواياتهما يدلان صراحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رهن وأن الرهن كان بالمدينة (أي: حضرًا) كما هو معلوم [3] .
وأما القياس:
فقالوا: إن الرهن كالضمان يجامع أن كلا منهما قد شرع للاستيثاق فكما أن الضمان يجوز حضرا فإن الرهن يكون مثله [4] .
أدلة أصحاب القول الثاني:
القائلون بعدم جواز الرهن في الحضر، استدلوا بالكتاب قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [5] .
وجه الدلالة:
أن مشروعية الرهن قد علقت على السفر حيث لم يوجد كاتب فحيث يوجد الشرط يوجد المشروط، وحيث ينعدم الشرط ينعدم المشروط، وإلا لم يكن للتعليق عليه فائدة [6] .
أدلة أصحاب القول الثالث:
الذين فرقوا بين اشتراط الرهن في العقد وبين عدم اشتراطه حيث استدلوا بالكتاب قوله تعالى:
(1) أخرجه البخاري في فتح الباري: (5/ 53) .
(2) الإهالة: ما يؤتدم به. والسنخة: أي المتغيرة. والحكمة في عدوله - صلى الله عليه وسلم - عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهودي إما لبيان الجواز أو خشيته - صلى الله عليه وسلم - أن لا يأخذوا منه عوضا أو ثمنا فلم يرد التضييق عليهم، فتح الباري: (5/ 41) .
(3) المغني لابن قدامه: (4/ 327) ، نيل الأوطار للشوكاني: (5/ 263) .
(4) نيل الأوطار للشوكاني: (5/ 263) .
(5) سورة البقرة: من الآية 283.
(6) نيل الأوطار للشوكاني: (5/ 263) .