الصفحة 13 من 46

المطلب الثاني

حكم الرهن حضرا وسفرا

بعد أن ذكر الله تعالى ما ينبغي اتباعه بشأن حفظ الأموال عند التعامل فيها وأن الطريق إلى ذلك هو: الكتابة والإشهاد، ثم أعقب ذلك ببيان ما ينبغي اتباعه في حالة العذر الذي لا يتيسر فيها الكتابة والسهو، فقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [1] ، حيث نبه الله سبحانه وتعالى على ذلك بحالة يكون العذر فيها أكثر وضوحا من غيرها وهي: حالة السفر التي هي مظنة عدم تيسير الكاتب الذي يدون الدين، كما أنها مظنة تعذر آلات الكتابة خصوصا إذا كان السفر سفر غزو أو حج مثلا.

يقول الإمام القرطبي:

"ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر قرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات اشتغال الناس وبالليل .."

وأيضًا .. فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن [2] .

ومعنى هذا أن الرهن يكون بدلا عن الكتابة إنما هو للتنبيه على كل عذر يماثلها، وليس المراد قصر الجواز على السفر فقط.

ومن هنا اتفق الفقهاء [3] على جواز الرهن في السفر حيث لا يوجد كاتب، إلا أنهم اختلفوا في حكمه في الحضر وفي السفر إذا وجد كاتب إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول:

لجمهور الفقهاء [4] من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة حيث قالوا بجواز الرهن في الحضر وفي السفر مطلقا أي: سواء أكان مشترطا في العقد أم كان تطوعا، وسواء وجد كاتب في السفر أم لم يوجد.

القول الثاني:

لداود وبعض أهل الظاهر ومجاهد [5] .

حيث يرون عدم جوازه في الحضر مطلقا، وقالوا أيضًا: إنه يجوز في السفر حيث لا يوجد كاتب.

(1) سورة البقرة: من الآية 283.

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (4/ 407) .

(3) بدائع الصنائع: (6/ 135) ، رد المحتار على الدر المختار: (5/ 340) ، بداية المجتهد: (2/ 271) ، المهذب: (1/ 305) ، المغني لابن قدامه: (4/ 327) ، كشاف القناع: (3/ 307) .

(4) رد المحتار على الدر المختار: (5/ 340) ، بدائع الصنائع: (6/ 135) ، القوانين الفقهية: (ص 323) ، المهذب: (1/ 305) ، المغني لابن قدامه: (4/ 327) ، كشاف القناع: (3/ 307) .

(5) فتح الباري: (5/ 140) ، نيل الأوطار: (5/ 263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت