القول الثالث:
وهو قول ابن حزم [1] .
حيث يفرق بين ما إذا كان الرهن مشترطا في العقد فيقول بالمنع، وبين ما إذا كان غير مشترط في العقد بأن كان تطوعا فيقول بالجواز.
إن جمهور الفقهاء يرون أن ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب في الماضي غير متوافر في السفر غالبا، ولا يشترط عدم وجود الكاتب لثبوت جوازه في السنة مطلقا.
أما أصحاب الأقوال الأخرى فقد تمسكوا بظاهر الآية وهو: جواز الرهن في السفر حيث لا يوجد كاتب أو عدم جوازه في الحضر؛ لأن الآية نصت على جوازه في السفر فقط.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بأن الرهن جائز مطلقا أي: في السفر والحضر، بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [3] .
وجه الدلالة:
إن الله تعالى بعد أن أرشد عباده إلى وسيلة حفظ الأموال أثناء التعامل فيها وذلك بالكتابة والإشهاد عقب ذلك بما ينبغي اتباعه في حفظ هذه الأموال في حالة تعذر الكتابة أو الإشهاد فنبه على حالات العذر بما يغلب فيه وجوده ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر يتعذر فيه الكاتب في الحضر [4] .
ثم إن الرهن شرع توثقه على الدين بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [5] .
ومعنى هذا .. أن أساس مشروعية الرهن الاستيثاق فيجوز كلما كانت هناك حاجة لذلك.
والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب؛ لأنه مظنة فقد الكاتب [6] فيكون المعنى على ما تقدم -والله أعلم-.
(1) المحلى لابن حزم الظاهري: (8/ 87) .
(2) بداية المجتهد: (3/ 271) بتصرف.
(3) سورة البقرة: من الآية 283.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (4/ 410) .
(5) سورة البقرة: جزء من الآية 283.
(6) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: (5/ 140) .