المطلب الأول
اشتراط استدامة القبض
بينت فيما سبق أن القبض شرط في الرهن ولكن هل يجب استمرار المرهون تحت يد المرتهن أم أن ذلك غير واجب بل يكتفى فيه الابتداء ولا يشترط فيه الدوام؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: (للحنفية والمالكية وجمهور الحنابلة وابن حزم) [1] .
حيث قالوا: إن الاستيثاق في الرهن يقتضي أن يظل المرهون دائم الحبس تحت يد المرتهن أو من يقوم مقامه إلى أن يستوفى دينه، فلا يملك الراهن استرداده لينتفع به [2] .
(1) تحفة الفقهاء: (1/ 3، 5) ، القوانين الفقهية: (ص 323) ، أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 26) ، المغني والشرح الكبير: (4/ 422) ، الإنصاف: (5/ 152) ، الدرر السنية: (5/ 122) .
(2) وهذا رأيهم إجمالا وإن كان بينهم خلاف في التفاصيل، فبينما يرى الحنفية أنه ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون على أي وجه من وجوه الانتفاع فليس للراهن أن يبيع الرهن بغير إذن المرتهن؛ لأن في ذلك إبطالا لحقه، كما أنه ليس له أن يهبه لغيره بغير إذنه، فإن أذن له المرتهن في ذلك صح الانتفاع والبيع والهبة والإجارة، وبطل الرهن، ولا يعود إلا بقبض جديد. ويتفرع على هذا أنه لو مات المراهن قبل أن تصل العين المرهونة إلى المرتهن كان المرتهن وسائر الغرماء سواء؛ لأن هذه العقود لازمة فيبطل بها عقد الرهن. هذا بخلاف ما إذا كانت التصرفات التي أذن فيها المرتهن للراهن غير لازمة مثل: العارية والوديعة فإنها لا ترتب على العين حقًّا لازمًا.
ومن ثم فإنه إذا مات الراهن قبل أن تصل العين المرهونة إلى المرتهن كان المرتهن أحق بها من سائر الغرماء؛ لأن للمعير والمودع استرداد العين متى شاء (بدائع الصنائع:(6/ 144) وما بعدها، تكملة فتح القدير: (10/ 142) وما بعدها) ومعنى هذا: أن المرتهن لا يبطل بهذه العقود ويبقى حقه قائمًا.
ومثل ذلك أن يبيعه المرتهن أن يهبه الراهن؛ لأن هذه التصرفات لا تلزم في حق الراهن؛ لأن ملكه ما زال باقيًا في العين المرهونة، فلا يصح هذه العقود، ويكون للمرتهن استرداده في أي وقت يشاء.
ولئن كان الرهن لا يبطل بهذه التصرفات إلا أن الضمان يفوت بسبب فوات يد المرتهن فإذا عادت اليد على العين عاد الضمان من جيد (المراجع السابقة) .
أما المالكية: فإنهم يرون أنه إذا قبض المرتهن الراهن فإن استمرار القبض شرط لصحة الرهن، فإذا أعاره للراهن أو لغيره ولم يشترط الرد في الأجل أو لم يقدر زمنًا أو عملا ينقضي قبل الأجل فإن الرهن يصبح باطلا؛ لأن ذلك يدل دلالة واضحة على أن المرتهن أسقط حقه في الرهن. كما أن الرهن يبطل كذلك إذ أذن المرتهن للراهن في سكنى الدار المرهونة أو الإجارة للعين المرهونة، ويبطل الرهن حتى ولو لم يقع التصرف بالفعل ويصير الدين بلا رهن؛ لأنهم يقولون: إن الإذن في التصرف كالتصرف بالإذن أي: أن كليهما مبطل للرهن. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (3/ 235 - 241) .
قال ابن رشد: وعند مالك: أن من شرط صحة الرهن استدامة القبض وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة وغير ذلك فقد خرج اللزوم. أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 260) .
بينما يرى الحنابلة أن المرتهن إذا أخرجه عن يده باختياره يزول اللزوم ويبقى العقد عاريًا عن القبض، فإذا أعيد إليه الرهن عاد اللزوم بحكم العقد السابق، ولا فرق بين إخراجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أو غير ذلك. ... =
=قال ابن قدامه: استدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره زال لزوم الرهن وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض سواء أخرجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أو غير ذلك، فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق. وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارًا ثم أكرهه صاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنًا.
وقال المرداوي على قول ابن قدامه: واستدامة القبض شرط في اللزوم.
وقال هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب يعني: حيث قلنا لا يلزم إلا بالقبض. المغني والشرح الكبير: (4/ 422) ، الإنصاف: (5/ 152) .
أما ابن حزم فقال: يشترط دوام القبض، قال القرطبي: بعد سياقه لرأى ابن حزم أنه شرط قال: هذا هو المعتمد عندنا. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (3/ 409) ، المحلى لابن حزم: (8/ 88) .