الصفحة 17 من 46

فإن فائدة التقييد هنا بيان الواقع أو ذكر الحالة الغالبة على حد ما هو معلوم في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [1] .

إذ أن الربيبة حرام سواء تربت في حجر زوج أمها أم تربت بعيدا عنه، ولكن التقييد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.

ثانيا: ناقش الجمهور أيضًا استدلال ابن حزم فقالوا:

1 -إن النص القرآني الكريم دل فيما دل عليه على جواز الرهن في حالات العذر، والعذر كما يكون في السفر يكون في الحضر -كما قال الإمام القرطبي-.

2 -يؤيد هذا أن الشروط التي ورد ذكرها في عقد المداينة إنما جاء التعبير بما لفوائد أخرى غير نفي الحكم عما سوى المذكور.

ويتبين ذلك فيما يلي:

أ أن القول بالشرط الأول وهو شرط المداينة قد ورد فيه حصر المداينة وأسبابها في البيع والسلم والقرض .. هذا الحصر ممنوع كما يوجد بسبب هذه الأمور فإنه يوجد بأسباب أخرى مثل - النكاح والخلع مثلا - ولهذا يقول الإمام القرطبي نقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما:

"وقال ابن عباس هذه الآية (أي: آية المداينة) نزلت على السلم خاصة، ثم يعقب على قول ابن عباس بقوله: معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية ثم تتناول جميع المداينات إجماعا" [2] .

وما قاله الإمام القرطبي واضح غاية الوضوح إذ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعلى هذا يكون المعنى - والله أعلم-"إذا تداينتم"أي: إذا ثبت دين، أعم من أن يكون سبب ثبوته بيعا أو قرضا أو نكاحا أو خلعا.

ب وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون الدين مؤجلا فإنه لا ينفي أن يكون مشروعا في الدين في الحال؛ لأن الرهن قد شرع للتوثق، والحاجة إليه في الدين المؤجل أظهر منها في الدين الحال، وهذا لا يعني أن الدين الحال لا يحتاج فيه إلى التوثق ففيه أيضًا يحتاج إلى ذلك. فمع احتمال هلاك المدين أو فراره قبل أداء هذا الدين أو هلاك ماله أو إخفاقه وكل ذلك يمكن تجنبه بالرهن.

ومن هنا فالحاجة في الدين المؤجل أشد إلى الرهن منها في الدين الحال إذ أنه في الدين المؤجل لا يستطيع مطالبة المدين قبل حلول الأجل، فأما في الدين الحال فإن له ذلك.

ج - أما الشرط الثالث وهو: (السفر) .

د- والشرط الرابع وهو: (عدم وجود الكاتب) .

فقد خرجا مخرج الغالب؛ لأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب خاصة إذا لاحظنا أن الكاتب لم يكن متيسرا في عهد التنزيل في حالتي: الحضر والسفر، وإن كان في حالة السفر أكثر ندرة.

(1) سورة النساء: آية 23.

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (3/ 407) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت