أما الكتاب:
فقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [1] .
وجه الدلالة:
أن الله تعالى قد وصف الرهان بكونها مقبوضة وهذا يدل على صحة العقد قبل القبض وعلى أنه لا يلزم إلا بالقبض.
فأما دلالته على صحة العقد قبل القبض فلأن الله سبحانه وتعالى سمى الأعيان المطلقة رهانا. وهذه التسمية الشرعية تدل على صحة العقد قبل القبض؛ لأنه لو لم يكن صحيحا ما أطلق عليه هذا الاسم.
وأما دلالته على عدم لزومه قبل القبض وعلى لزومه بعده أنه لو كان لازما قبل القبض لما كان للتقييد فائدة [2] .
وأما المعقول [3] .
فقالوا: إن الرهن عقد تبرع يحتاج إلى القبول فيصح قبل القبض ولا يلزم إلا به قياسا على الهبة والقرض.
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بأن القبض شرط لصحة الرهن وجوازه بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [4] .
وجه الدلالة:
أولا: أن قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} معطوف على ما تقدم من قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [5] .
فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبا، وجب أن يكون حكم المعطوف كذلك فيما شرط له من الصفة فلا يصح إلا بها.
وعلى ذلك فإنه ... كما لا تصح الشهادة إلا بما ذكر لها من عدد وشهود فإنه لا يصح الرهن إلا بالقبض؛ لأن الخطاب قد توجه ابتداء لهذه الأمور بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب [6] .
ثانيا: أن الله سبحانه وتعالى وصف الرهن بصفة القبض، ومقتضى هذا أن أي رهن لا يكون مشروعا إلا بهذه الصفة فيكون القبض شرط صحته فيه.
(1) سورة البقرة: من الآية 283.
(2) العناية على الهداية بهامش تكملة فتح القدير: (10/ 137) ، مغني المحتاج: (2/ 128) ، المهذب: (1/ 305) ، كشاف القناع: (3/ 317) .
(3) مغني المحتاج: (2/ 128) ، المغني لابن قدامه: (4/ 328) .
(4) سورة البقرة: من الآية 283.
(5) سورة البقرة: من الآية 282.
(6) الدر المختار: (5/ 340) وما بعدها، العناية على الهداية بهامش تكلمة فتح القدير: (10/ 137) ، أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 260) .