الصفحة 161 من 244

وكانت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللُّقطاء تتناجيان، فقالت الكبرى منهما: يا حسرتا على هؤلاء الصغار المساكين! إن حياة الأطفال فيما فوق مادة الحياة، أي في سرورهم وأفراحهم، وحياةُ هؤلاء البائسين فيما هو دون مادة الحياة، أي في وجودهم فقط.

وكِبَرُ الأطفال يكون منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكِبَرُ هؤلاء إخراجهم من (الملجأ) وهو كلُّ النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريدُ، والفقرُ، وابتداء القصة المحزنة.

فقالت الصُّغرى: ولم لا يفرحون كأولاد الناس، أليست الطبيعةُ لهم جميعًا، وهل تجمع الشمسُ أشعتها عن هؤلاء لتُضاعفها لأولئك؟

قالت الأخرى: الطبيعة؟ تقولين الطبيعة؟ إنك يا ابنتي عذراء لم تبدأ في حياتك حياةٌ بعد، ولم تجاوبي بقلبك القلبَ الصغير الذي كان تحت قلبك تسعة أشهر؛ وإنما أنتِ مع هؤلاء (موظَّفة) لا تعرفين منهم إلا جانب النظام وقانونَ الملجأ.

لقد ولدتُ يا ابنتي خمسة أطفال، وبالعين البليغة التي أنظرُ بها إليهم أنظر إلى هؤلاء، فما أراهم إلا منقطعين من صلة القلب الإنساني: يعبسُ لهم حتى الجوّ، وُيظلم عليهم حتى النور، ويبدو الطفل منهم على صِغَرِه كأنه يحملُ الغمَّ المقبل عليه طولَ عمره.

يا لهفي على عودٍ أخضرَ ناعمٍ ريَّانَ كان للثَّمر فقيل له: كن للحطب!

الفرحُ يا ابنتي هو شعورُ الحيّ بأنه حيٌّ كما يهوى، ورؤيتُه نفسه على ما يشاء في الحياة الخاصة به.

وهؤلاء اللقطاء في حياة عامَّة قد نُزعت منها الأمُّ والأبُ والدارُ، فليس لهم ماض كالأطفال، وكأنهم يبدؤون من أنفسهم لا من الآباء والأمهات.

قالت الصغيرة: ولكنهم أطفال.

قالت تلك: نعم يا ابنتي هم أطفال، غير أنهم طُردوا من حقوق الطفولة كما طُردوا من حقوق الأهل، وحسبُك بشقاء الطفل الذي لم يعرف من حنان أمه إلا أنها تقتله، ولا من شفقتها إلا أنها طرحته في الطريق.

إن الطبيعة كلَّها عاجزة أن تعطي أحدهم مكانًا كالموضع الذي كان يتبوَّؤُه بين أمه وأبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت