الصفحة 2 من 244

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أما بعد:

فلما كانت الأنظار تَقْصُر، والأهواء تتغلب، والعقول تتفاوت وتختلف _ اشتدت حاجة الناس إلى وحي إلهي يطلق نفوسهم من قيود الأوهام، ويحررها من أسر الشهوات، ويهديهم إلى طريق الرشاد، وينذرهم عاقبة العكوف على اللذائذ.

فهذا وجهٌ من حكمة بعثة الأنبياء _ عليهم السلام _ وصعودهم بالناس إلى مراقي السعادة والفلاح.

وبهذه الدعوة الإلهية لبست النفوس أدبًا ضافيًا، وأخذ الاجتماع سنة منتظمة، وبصرت العقول بحقائق كانت غامضة.

وإذا كان للشرائع السماوية مزيةُ تقويمِ النفوس، وإنارة البصائر، وفتح طريق الحكمة _ فإن نصيب الإسلام من هذه المزية أوفر وأجلى؛ فهو خير الأديان، وخاتمها، وأشملها، وأكملها، إذ لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من قضايا العقائد، والسلوك، والتربية، والأخلاق، والأحكام _ إلا وأحاط بها إجمالًا أو تفصيلًا.

فلقد بعث الله محمدًا"والعالم في جهالة غامرة، وأهواء جائرة، وأعمال خاسرة."

ومازالت هدايته تتكامل حتى أخذت بالإصلاح من جميع أطرافه، فوضعت مكان الجهالة علمًا، ومكان الأهواء الطاغية هممًا سامية، ومكان الخسر فلاحًا وصلاحًا.

أصلح النفوس بالعقائد السليمة، وزودها بالأخلاق الزاهرة، وشرع من العبادات ما يؤكد الصلة بين العبد وربه، ثم نظر إلى أن الإنسان لم يخلق في عزلة عن الناس، وإنما خلق ليكون في جماعة تتعاون على القيام بمصالح الحياة، والأخذ بوسائل السعادة؛ فعني بحقوق ذي القربى، فقرر النفقات والمواريث في نظم محكمة، وحرص على إسعادهم والبر بهم من طريق المروءة وكرم الأخلاق.

وحاط الزوجية بحقوق تجعل الزوجية في ألفة صادقة، وعيشة راضية، وأخذ بإصلاح رابطة أخرى هي رابطة الجوار.

ووضع للمعاملات نظمًا عادلة، وللجنايات عقوبات زاجرة؛ فأصبحت النفوس والعقول، والأعراض والأموال، والأنساب بتلك النظم، والعقوبات _ في صيانة.

وما برح الناس _ بعد انطواء عهد النبوة _ في حاجة إلى تذكيرهم إذا نسوا، وتعليمهم إذا جهلوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت