الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن للشهوات سلطانًا على النفوس، واستيلاءًا وتمكنًا في القلوب، فتركها عزيز، والخلاص منها عسير، ولكن من اتقى الله كفاه، ومن استعان به أعانه [وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] (الطلاق:3) .
وإنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، أما من تركها مخلصًا لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا أول وهلة؛ ليمتحن أصادق في تركها أم كاذب، فإن صبر على تلك المشقة قليلًا استحالت لذة.
وكلما ازدادت الرغبة في المحرم، وتاقت النفس إلى فعله، وكثرت الدواعي للوقوع فيه _ عظم الأجر في تركه، وتضاعفت المثوبة في مجاهدة النفس على الخلاص منه.
ولا ينافي التقوى ميل الإنسان بطبعه إلى الشهوات المحرمة، إذا كان لا يغشاها، ويجاهد نفسه على بغضها، بل إن ذلك من الجهاد ومن صميم التقوى.
ثم إن من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه، والعوض من الله أنواع مختلفة، وأجل ما يعوض به: الأنس بالله، ومحبته، وطمأنينة القلب بذكره، وقوته، ونشاطه، ورضاه عن ربه _ تبارك وتعالى _ مع ما يلقاه من جزاء في هذه الدنيا، ومع ما ينتظره من الجزاء الأوفى في العقبى.
وإليك نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيرًا منها:
1_ من ترك مسألة الناس، ورجاءهم، وإراقة ماء الوجه أمامهم، وعلق رجاءه بالله دون سواه _ عوضه خيرًا مما ترك؛ فرزقه حرية القلب، وعزة النفس، والاستغناء عن الخلق =ومن يتصبر يصبره الله ومن يستعفف يعفه الله+.
2_ ومن ترك الاعتراض على قدر الله؛ فسلم لربه في جميع أمره _ رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال.
3_ ومن ترك الذهاب للعرافين والسحرة رزقه الله الصبرَ، وصدقَ التوكلِ، وتَحقُّقَ التوحيدِ.
4_ ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
5_ ومن ترك الخوفَ من غير الله، وأفرد الله وحده بالخوف _ سلم من الأوهام، وأَمَّنه الله من كل شيء؛ فصارت مخاوفه أمنًا وبردًا وسلامًا.
6_ ومن ترك الكذب، ولزم الصدق فيما يأتي ويذر _ هدي إلى البر، وكان عند الله صديقًا، ورزق لسان صدق بين الناس، فسودوه، وأكرموه، وأصاخوا السمع لقوله.