وأخذ في تجهيز جيش أسامة مع إشارتهم عليه، وأخذ في قتال المرتدين مع إشارتهم عليه بالتمهل والتربص، وأخذ يقاتل حتى مانعي الزكاة فهو مع الصحابة يعلمهم إذا جهلوا، ويقويهم إذا ضعفوا، ويحثهم إذا فتروا؛ فقوى الله به علمهم ودينهم وقوتهم؛ حتى كان عمر _ مع كمال قوته وشجاعته _ يقول له: يا خليفة رسول الله تألَّف الناس، فيقول: علام أتألَّفهم؟ أعلى دينٍ مفترى؟ أم على شعرٍ مفتعل؟ وهذا باب واسع يطول وصفه+ (1) .
تاسعًا: لزوم الرفق، ومجانبة الغلظة والعنف: سواء في الدعوة، أو الرد، أو النقد، أو الإصلاح، أو المحاورة؛ فإن استعمال الرفق، ولين الخطاب ومجانبة العنف _ يتألف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة.
ويتأكد هذا الأدب في مثل هذه الأحوال العصيبة التي نحتاج فيها إلى تلك المعاني التي تنهض بالأمة، وتشد من أزر الدعوة.
ولقد كان ذلك دأب الأنبياء، قال _ تعالى _ في خطاب هارون وموسى _عليهما السلام_ [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ] (طه) .
ولقَّن موسى _ عليه السلام _ من القولِ اللَّين أحسنَ ما يخاطب به جبار يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فقال _ تعالى _: [فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) ] (النازعات) .
قال ابن القيم ×: =وتأمل امتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون: [هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) ] .
فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مَخْرجَ الأمر، وقال: [إِلَى أَنْ تَزَكَّى] ولم يقل: =إلى أن أزكيك+؛ فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكِّي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.
(1) _ منهاج السنة النبوية 8/83_84.