فهرس الكتاب
وبالجملة فإن التفاؤل دأب المؤمن، وهو سبيل التأسي بالنبي"خصوصًا في وقت اشتداد المحن؛ وليس أدل على ذلك مما كان في غزوة الأحزاب لما أحاطوا بالمدينة، وبلغت القلوب الحناجر، ومع ذلك كان _ عليه الصلاة والسلام _ يبشر أصحابه بمفاتيح الشام، وفارس، واليمن (1) ."
وإذا تُحدث عن الفأل، والحث على نشره _ فإن ذلك لا يعني القعود، والخمود، والهمود؛ كحال من يؤملون الآمال العراض، ويُفْرِطون في الأماني بحجة أن ذلك من الفأل، وهم كسالى قاعدون، لا يتقدمون خطوة، ولا ينهضون من كبوة.
لا ليس الأمر كذلك؛ بل إن الفأل المجدي هو ذلك الذي يحرك صاحبه، ويبعثه على الجد، ويشعره بالنجح، ويقوده إلى إحسان الظن، ويبشرْ بحسن العواقب.
خامس عشر: التثبت مما يقال، والنظر في جدوى نشره، والحرص على رد الأمور إلى أهلها: فالعاقل اللبيب لا يتكلم في شيء إلا إذا تثبَّت من صحته؛ فإذا ثبت لديه ذلك نَظَرَ في جدوى نشره؛ فإن كان في نشره حفز للخير،واجتماعٌ عليه نشره، وأظهره، وإن كان خلاف ذلك أعرض عنه، وطواه.
ولقد جاء النهي الصريح عن أن يحدث المرء بكل ما سمع، قال": =كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع+ (2) ."
وقد عقد الإمام مسلم × في مقدمة صحيحه بابًا سماه =باب النهي عن الحديث بكل ما سمع+، وساق تحته جملة من الآثار منها الحديث السابق، ومنها ما رواه بسنده عن عمر بن الخطاب ÷ قال: =بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع+ (3) .
وقال مسلم ×: حدثنا محمد بن المثنى قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: =لا يكون الرجل إمامًا يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع+ (4) .
ويتعين هذا الأدب في وقت الفتن والملمات، فيجب على المسلم أن يتحرى هذا الأدب؛ حتى يقرب من السلامة، وينأى عن العطب.
(1) _ انظر مسند الإمام أحمد 4/203، وسنن النسائي الكبرى (8858) .
(2) _ مسلم (5) في مقدمة صحيحه.
(3) _ مسلم (5) في مقدمة صحيحه.
(4) _ مسلم (5) في مقدمة صحيحه.