وقد روى أبو داود أن النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) لكن الحديث إسناده ضعيف.
إذن: هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء، وأن النوم ينقض مطلقًا يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينقض يسيره.
فإن قيل: فما هو ضابط اليسير؟
قالوا: ضابطه: العرف، فما كان يسيرًا عرفًا فإنه لا ينقض الوضوء.
فعندما ينام الرجل قاعدًا أو قائمًا ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير، وإذا سقط من قيامه، أو قعوده فهو في عرف الناس قد نام نومًا كثيرًا فينتقض وضوؤه بذلك، ولا اعتبار بالرؤيا كما في المنتهى واستظهره في الفروع والإنصاف خلافًا لما في الإقناع.
ولا شك إن هذا الضابط حسن، لأن مرجعه إلى العرف، وبعبارة أخرى لك أن تقول: النوم المستغرق وغير المستغرق، فالنوم المستغرق: هو الكثير الناقض للوضوء.
وأما غير المستغرق: فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء.
فإن قيل: فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير؟
فإنه يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك.
وفي قوله:"إلا نوم"يخرج النعاس والسِنَة.
والنعاس: يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينقض به الوضوء، وقد قال تعالى: ?لا تأخذه سنة ولا نوم ? ففرق بينهما، فالناقض للوضوء هو النوم، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء. هذا هو تقرير مذهب الحنابلة.
أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي.
وأما قولهم إن نوم المضجع ونحوه ينقض يسيره، فذا قول ضعيف، لأنه إذا كان مناط الأمر ومتعلَّقه هو النوم الكثير أو اليسير، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره.
وفي رواية للبزار - من حديث أنس المتقدم - بإسناد صحيح: (يضعون جنوبهم) أي أصحاب النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه، ومنهم من وضع جنبه على الأرض.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختارها القاضي وأكثر الأصحاب، وهو مذهب الأوزاعي وربيعة، واختيار شيخ الإسلام - وهذا القول هو الراجح لما تقدم -.