وقوله هنا كذلك:"لا يزل النجس الطارئ غيره": يدل على أنه لو كانت هناك نجاسة فصُب عليها شيء آخر من المواد الكيمائية مثلًا، أو أزيل بتراب أو نحو ذلك فإن النجاسة تبقى ولا تزول.
قالوا: لا تزول إلا بالماء، وهذا هو مذهب الحنابلة.
فعلى ذلك إذا أزيل بحكه مثلًا وكان مما يقبل الحك، أو أزيل بأي طريق أخر، بمواد كيمائية أو نحو ذلك أو بتراب فإنه عندهم لا يطهر.
واستدلوا: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) متفق عليه.
قالوا: فقد خصص النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء بالذكر واستدلوا كذلك بالحديث المتفق عليه: (في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهراق على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء) متفق عليه، قالوا: فخصص النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك الماء بالذكر.
وذهب الأحناف إلى أن الماء ليس فقط هو المزيل للنجاسة بل أي شيء تزول به النجاسة فإن المحل يطهر، كأن تزول بالتراب أو بالريح أو بالشمس وغير ذلك، فمتى زالت النجاسة ولم يبق لها أثر يمكن إزالته طهر المحل هذا هو القول الراجح.
ودليله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت في سنن أبي داود: (إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لها طهور) ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - التراب طهورًا للنعل إذا أصابها الأذى.
ومثل ذلك ما ثبت في أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحهما ثم ليصل فيهما) ، فهذا الحديث يدل على أن المسح كافٍ في إزالة الأذى في النعلين.
ثم إن النجاسة هي علة التنجس، فإذا زالت هذه النجاسة بأي طريق فإنه فلا نجاسة لأن [الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا] و هي قاعدة معروفه، إذا ثبتت العلة ثبت الحكم وإذا انتفت العلة انتفى الحكم.
قوله: [وهو الباقي على خلقته]
هذا هو الماء الطهور، وهو الباقي على خلقته التي خلقها الله عليها. من مياه الأنهار ومياه البحار ومياه الآبار ومياه الأمطار ونحو ذلك. فالباقي على خلقته هو الطهور، ويدخل في ذلك البرد والثلج.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد) .
لكن المراد هنا الذائب منه لأن الغُسل لا يثبت حتى يجري على الأعضاء لأن حقيقة الغُسل جريان الماء على أعضاء المغتسل أو المتوضئ، فغسل الأعضاء حقيقة جريان الماء عليها.