وهذا يعارض ما ثبت عن علي، والصحابة إنما تكون أقوالهم حجة إذا لم تتعارض فإذن القول بجواز القراءة هو قول ابن عباس وهو قول البخاري والطبري وابن المنذر وهو مذهب الظاهرية ومذهب طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعكرمة وهو الراجح.
وأولى منه بالجواز الحائض خلافًا للجمهور أيضًا، إلا أن الإمام مالك أجازه إذا خشيت أن تنسى المرأة حفظها للقرآن فيجوز لها والقول بالتعميم هو الراجح لما تقدم، فإن الحائض أولى من الجنب لأمرين:
الأمر الأول: أن الحائض ما عليها من الحدث بغير اختيارها ولا يمكنها أن تزيله إلا أن يذهبه الله عنها، بخلاف الجنب.
الأمر الثاني: أن الحائض تطول مدتها، سبعة أيام أو دون ذلك أو أكثر من ذلك فتحتاج أن تقرأ القرآن بخلاف الجنب.
وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما، ولأن النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ لم يصح عنه حديث في نهي النساء عن قراءة القرآن عند الحيض والنفاس وهو مما تعم به البلوى.
قوله: [ويعبر المسجد لحاجة]
مكثه في المسجد ولبثه فيه محرم، فلا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد أما المرور فيجوز ولو لغير حاجة لكن يكره مع عدمها.
واستدلوا: بقوله تعالى: ? يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ? قالوا: أي مواضع الصلاة وهي المساجد: ? وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا ? أي لا تقربوا المساجد وأنتم جنب: ? إلا عابري سبيل ? أي مجتازين.
و بما رواه أبو داود والترمذي أن النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) وهو مذهب الشافعية.
لكنه يكره اتخاذ المساجد طرقًا، كما جاء ذلك في الطبراني في الكبير وغيره - وسيأتي في باب المساجد - لذا قال:"لحاجة"لأن مروره من غير حاجة مكروه سواء كان جنبًا أوغير جنب.
إذن: الحنابلة والشافعية قالوا: لا يجوز المكث في المسجد للجنب إلا إذا كان عابرًا للسبيل فإن يجوز له ذلك، ويكره له أن يعبر لغير حاجة سواء كان جنبًا أو لم يكن جنبًا.
ووافقهم بقية المذاهب الأربعة بأن اللبث محرم استدلالًا بحديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) ولكنهم لم يوافقوهم في جواز العبور، بل قال المالكية والأحناف لا يجوز العبور للجنب.