وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بكراهية الاغتسال دون الوضوء وأن الغسل مكروه دون الوضوء.
أما القول بأن الوضوء مكروه فإنه لا دليل عليه والحديث النبوي الذي تقدم ذكره يرده.
وأما الغسل منه فليس في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل.
وهل هناك ما يمنع من الاغتسال أم يقال أن الاغتسال مثل الوضوء؟
روى الفاكهي في أخبار مكة - وهو من علماء القرن الثالث - بإسناده الصحيح عن العباس بن عبد المطلب وابنه: والعباس هو ساقي الناس من ماء زمزم فكان على سقاية زمزم رضي الله عنه قالا: (لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حلٌّ وبلٌّ) أي برؤ من الأمراض.
فهنا قال هذان الصحابيان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهما قالا: (لا أحله لمغتسل) ولم يصب النووي عندما قال فيه:"أنه لم يصح ما ذكروه عن العباس"بل قد صح ذلك بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناده صحيح، وقد احتج بهذا الأثر الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -.
وهذا الأثر عن العباس وابنه يدل على النهي عن الاغتسال من ماء زمزم وأن ذلك منهي عنه وقد كرهه كما تقدم شيخ الإسلام ابن تيمية وحكى ذلك عن طائفة من العلماء، ولم أر أحدًا من أهل العلم صرح بتحريمه.
ثم أن هناك فارقًا بين الغسل والوضوء، فإن إزالة الجنابة أشد من إزالة الحدث الأصغر، فإن إزالة الحدث الأكبر أشد من إزالة الحدث الأصغر لذا لا تزال ألا بتعميم الماء في البدن كله، بخلاف الحدث الأصغر فإنه يزول بغسل بعض الأعضاء التي أمر الله عز وجل بغسلها.
فما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله قوي في النظر وهو كراهية الاغتسال من ماء زمزم، وأما الوضوء منه فلا حرج فيه.
وأعظم من الاغتسال أن يزيل به النجس فإن كراهيته أشد - كما نص على ذلك فقهاء الحنابلة - لأن هذا الماء ماء مبارك، وقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في مسلم (أنها مباركة، إنها طعام طعم) وزاد الطالسي بإسناد صحيح: (وشفاء سقم) وقال عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم لما شرب له) فهو ماء مبارك فلا ينبغي أن يزيل الخبث به، فإزالة الخبث مكروهة وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة وغيرهم.