أما الجمهور فاستدلوا بالدليل الذي تقدم وهو التفريق بين المجاورة وبين الممازجة.
والتعليل بالخلاف ضعيف، فكثير من المسائل الفقهية وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، فهل نقول بكراهيته هذه المسائل التي وجدنا الأدلة الشرعية أو القواعد العامة الشرعية أيضًا التي تدل على جوازها وإباحتها فنقول بكراهيتها لوجود هذا الخلاف - هذا ليس بصحيح؛ لأن الكراهية حكم شرعي.
نعم: إذا كان الخلاف معتبرًا قويًا فإننا نجتنب ونكره ما وقع فيه الخلاف القوي الذي تحتمله الأدلة بين أهل العلم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
قوله: [أو بملح مائي كره]
هنا أعاد حرف الجر لأن الملح المائي ليس من المخالط غير الممازج بل هو مخالط ممازج.
الملح المائي هو الذي يوضع في الأطعمة وهو المستخرج من الماء.
وقيده بالمائي: احترازًا من الملح المعدني وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحًا معدنيًا، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإنه ينتقل الماء إلى الطاهرية، فيكون مسلوب الطهورية، وسيأتي. فإذا خالط الملح المائي الماء فغيره فأوجد فيه ملوحة بعد عذوبة فإن الماء يبقى طهورًا، لكن قالوا: يكره، لأن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الماء يكون طاهرًا.
وهذا تعليل بالخلاف وهو ضعيف كما تقدم بل هو ماء طهور ولا كراهية في استعماله.
إذن: إذا وضع في الماء ملح مائي فغيره فهو كماء البحر الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
قوله: [أو سخن بنجس كره]
الماء المسخن بالنجس كروث حمار ونحوه يكره سواء ظن وصول النجاسة إليه أو احتمل أو لا، حصينًا كان الحائل أو غير حصين، هذا هو المذهب.
قالوا: إن لم يحتج إليه فإن احتيج إليه زالت الكراهية.
وقال الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد: إنه لايكره وهو الراجح فإن كان حصينًا فلا وجه للكراهية، وأما إن كان غير حصين فللكراهية وجه لأن الدخان يدخله ويؤثر فيه؛ لكن هذا ينبني على أن الاستحالة لاتطهر والراجح أن الاستحالة تجعل النجس طاهرًا فالدخان طاهر وعلى ذلك فالمسخن بالنجس غير مكروه.
والمذهب أنه إن عُلم وصول النجاسة وكان يسيرًا نجس.