قالوا: فهنا قاعدة قاعدة أصولية أطلق النهي في الماء الذي لا يجري، فيدخل في ذلك الماء الكثير والماء القليل، فدل ذلك على أن البول إذا وقع في الماء الدائم الذي لا يجري سواء كان كثيرًا أو قليلًا فإنه ينجس، سواءً تغير أو لم يتغير
و الجواب أن هذا الحديث ليس فيه أن الماء ينجس بذلك بل قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا لأمرين اثنين:
الأول: أن ذلك ذريعة لتنجيسه، فإن الماء الدائم الذي لا يجري، إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة التي لا تغيره فتكرر ذلك فإنه يؤول إلى تنجس هذا الماء، وهو ماء دائم لا يجري ليس كالأنهار أو كالبحار التي تجري وهي كثيرة فلا يؤثر فيها.
أما الأمر الآخر: فهو قبح الجمع بين الأمرين؛ بين أن يبول فيه وبين أن يغتسل منه أو فيه، وذلك كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه: (لا يجلد أحدكم امراته ثم يجامعها) فالجمع بين الأمرين قبيح.
وكذلك الجمع بين البول فيه والتطهر منه أمر قبيح وليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم على هذا الماء بالتنجس.
و عليه فلا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات.
ثم إن قولهم يلزم منه أن يكون بول الكلب أو الخنزير أخف وهذا باطل.
فإذن الراجح أنه لا فرق بين الأمرين وهذا هو المشهور عند المتأخرين.
* تقدم التفريق بين القليل والكثير وأن ضابطه أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، والقليل ما دون ذلك. والدليل على هذا: ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) وهذا الحديث صحيح، صححه الجمهور كيحيى بن معين والدارقطني والطحاوي والبيهقي، والحاكم والذهبي، والنووي وابن حجر وابن منده وغيرهم من أهل العلم.
وذهب بعض الحفاظ إلى تضعيفه كابن عبدالبر وأعله المزي وابن تيمية بالوقف، وأعله ابن القيم بعدم شهرته عند اهل العلم مع أن الحاجة داعية إلى اشتهاره.
إذن: استدلوا بهذا الحديث ورأوا صحته، وقد صححه - كما تقدم - جماهير أهل العلم، وهو الراجح فإنه صحيح والطعن فيه ضعيف.
فهذا الحديث يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا يحمل الخبث.
قالوا: ومفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل النجاسات والأخباث فيكون نجسًا 1 - هذا هو مذهب الحنابلة والشافعية.