والقول الثاني: وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من المحققين، وهو مذهب بعض الحنابلة كابن عقيل.
قالوا: لا فرق بين قليل الماء وكثيره، بمعنى: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلًا كان أو كثيرًا.
فإذا وقعت النجاسة في الماء فإننا ننظر فإن حملها وتنجس بها وظهرت رائحة النجاسة فيه أو طعمها أو لونها فإن الماء يكون نجسًا وإلا فهو طاهر لا فرق بين قليل أو كثير بلغ القلتين أو لم يبلغهما.
واستدلوا: بالحديث الذي رواه الثلاثة - أبو داود والترمذي والنسائي - وصححه الإمام أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بئر بُضاعة وهي بئر تلقي فيها الحِيض ولحوم الكلاب والَنَتْن فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) لو قال قائل: إن ماء البئر يغلب عليه الظن أنه كثير.
فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثبت للماء الطهورية وأنه لا ينجسه شيء أي إلا ما غيره، وجعل الماء متصفًا بهذه الصفة ملازمًا لها لا ينجسه شيء.
* قالوا: والحديث الذي استدللتم به حديث ضعيف، فقد رواه مجاهد عن ابن عمر موقوفًا من قوله.
وهذا الحديث لم يشتهر عن غير ابن عمر وهو أمر حاجة العامة تدعو إليه فمثله يشتهر كالتحديد في الزكاة ونحوها.
ولكن الراجح أن هذا الحديث صحيح، وأما تعليلهم بالوقف له فهو ضعيف لأنه رواه عنه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
وأما التعليل بعدم الشهرة، فنقول: هذا حديث ثابت صحيح رواه كثير من الأئمة في كتبهم وصححه جمع كثير من أهل العلم فمثله تثبت به السنن و لا يشترط قدر زائد على ذلك.
لكن الجواب أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس وإنما فيه إثبات أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا يحمل الخبث لكثرته وقوته، وأنه إذا كان دون القلتين فإنه قد يحمل الخبث لضعفه.
إذن هذا الحديث فيه إخبار من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الماء الكثير لكثرته لا يحمل الخبث، فليس فيه أن الماء القليل يحمل الخبث بل فيه أنه لقلته قد يحمل الخبث فعليك أن تنظر فيه وأن تتحرز من تغيير النجاسة له.
ثم إن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم، لأن قوله: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) منطوقه أنه سواء كان قليلًا أو كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير، فهذه الدلالة منطوق بها.
وأما حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) فإن دلالته دلالة مفهوم على القول بذلك.