ثم إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لم يحمل الخبث) يدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث، وهذا يدل على القاعدة الشرعية: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا) فعلى ذلك إذا استهلك الخبث في القليل فإنه لا ينجس وإذا حمله القليل فإنه ينجس. قاعدة أصولية.
إذن القول الراجح عدم التفريق بين قليل الماء وكثيره.
فالماء إذا كان قليلًا أو كان كثيرًا فوقعت فيه نجاسة فإننا - حينئذ - ننظر هل غيرته أم لا؟
فإن غيرته فهو نجس، وإن لم تغيره فهو طهور هذا هو الراجح وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، فلا فرق بين قليل الماء وكثيره.
وقد روى ابن ماجة من حديث رشدين بن سعد وهو ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه و طعمه و لونه) والحديث ضعفه أبو حاتم لكن الإجماع عليه، فالإجماع على إن الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فهو ماء نجس.
أما إذا لم يتغير ففيه الخلاف الذي تقدم والراجح أنه إذا لم يتغير فإنه لا ينجس سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
قوله: [كمصانع طريق مكة] :
جمع مصنع والمراد بها أحواض المياه التي كانت موضوعة في طريق مكة من العراق، يردها الحجاج وهي مياه كثيرة يشق نزحها.
قوله: [ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث]
هذه مسألة ذات قيود كثيرة:-
"ولا يرفع حدث رجل": لكن يزيل الخبث عنه و تصح به الطهارة المستحبة كغسل الجمعة وتجديد وضوء لكنه لا يرفع حدثه الأكبر أو الأصغر.
"رجل": قالوا: ويلحق به الخنثى، فحكمه حكم الرجل.
ويخرج من ذلك المرأة والصبي فإنه يرفع حدثهما.
"طهور يسير": أي دون القلتين تقريبًا.
"خلت به امرأة": مكلفة و تزول الخلوة بمشاهدة رجل أو أمراة أو مميز.
"لطهارة كاملة": كذلك أن يكون هذا لطهارة كاملة فلو كان لبعض طهارة كأن تكون غسلت وجهها ويديها وبقي غسل الرجلين فلا تدخل في هذه المسألة.
"عن حدث": فلو خلت به لإزالة نجاسة أو لغسل جمعة أو غيره من الأغسال المستحبة فإنه لا يدخل في ذلك