الصفحة 19 من 34

التنظيمي والاهتمام بالموارد البشرية حقق مكاسب في جوانب وحقق خسائر كبيرة في جوانب أخرى وهكذا في إدارة الجودة الشاملة وغيرها.

إن دراسة سريعة للنظريات الإدارية التي ظهرت خلال المئة عام المنصرمة، التي سادت لفترات وخفتت في فترات أخرى سنجد أن أكثر من 90% منها قد حدث عليه تبديل وتعديل.

فمبادئ فايول الأربعة عشر لم تعد مبادئ سائدة، مثل"مبدأ وحدة القيادة"، و"الإدارة العلمية"لتايلور اُنتقدت بسخط من قبل مدرسة العلاقات الإنسانية ووصفت بـ"التايلورية الروتينية"، وهرم ماسلو أصبح حلزونيًا أكثر منه هرميًا، والإدارة بالأهداف، حلت محلها حلقات الجودة الشاملة اليابانية، ...

وهكذا نتحدث الآن عن الميزة التنافسية الإستراتيجية، وعن النمو المستدام، والجودة المتفوقة، والمنظمة الرشيقة، والإدارة التشاركية، والإدارة الإستراتيجية، وإرضاء الزبون (العميل) [1] ، ...

الخط المشترك، عبر كل هذه النظريات، الذي ما زال مستمرًا حتى الآن, هو خط الإبداع. الإبداع هو العمليّة الوحيدة التي كانت وستستمر وراء هذه النظريات والمبادئ والأفكار الإدارية. فالتحديات التي تواجه الفكر الإداري، والفكر الإداري العربي بشكل خاص، المتمثّلة بالتغيّر والنمو السريعين والعميقين لكل مناحي الحياة بما فيها النشاط الإداري، تتطلب أساليب عمل جديدة ومتجددة. هذا لا نعني به استعارة النظريات القائمة بل يحتاج إلى ابتداع أفكار ونظريات وأساليب عمل جديدة. أن نفعل كما فعل أسلافنا في العصور العربية الإسلامية الذهبية، أو كما فعل بناة الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة أمثال فايول وتايلور ومايو ودروكر في الإدارة. أن نواجه تحديات الحاضر باستشراف آفاق المستقبل بما يحمل في طياته من متغيرات (حبلى) بالمفاجأة تتطلب منا ـ وخاصة بالمنطقة العربية ـ إعمال الفكر والإبداع لابتداع نماذج جديدة للإدارة تتناسب مع التغيّرات التي تصاحب القرن الجديد.

إن القارئ سيكتشف في هذا الإطار أن مجال الإبداع لم يحظ بشيء من تلك الدراسات إلا في العقود الأخيرة، فالإبداع لم يكن في بؤرة اهتمام الفكر الإداري الغربي إلاّ في العقود الأخيرة. أما الآن فالكل يهتم بالإبداع: الابتداع التقني، والإبداع العلمي، والإبداع الإداري، والإبداع المحاسبي، والإبداع للمنظمات غير الحكومية، ... العصر عصر الإبداع ...

إن المدير مستهلك شره للنظريات، والمدير العربي وإن كان مقلًا بذلك، فهو يستخدم في كثير من الأحيان، النظريّة الصحيحة في الحالة الخاطئة، أو يطبق النظريّة الخاطئة على حالة خاصة.

فالسؤال الجوهري، الذي يجب أن يطرحه المدير على نفسه، والذي يفسر النظريّة، هو، ما هي الظروف التي ستطبق فيها النظريّة، وأي من استراتيجيات وأساليب التطبيق المناسبة. حتى يتمكن الإداريون من

(1) (العميل في اللغة مشتق من فعل: عَمِل: صنع ومهن. وفي الاصطلاح الحديث يدل على من تعامله ويعاملك في التجارة؛ بينما الزبون من فعل: زَبَن، والزبون هو المشتري، والذي يتردد في الشراء على بائع واحد. بكل الأحوال سنستخدم اللفظتين دون تمييز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت