الصفحة 45 من 64

عباد الله، اذكروا أيام الله لعلّكم تذكّرون وتعتبرون، اذكروا أيام الله بخذل أعدائه ومَن والاهم لعلّكم تتقون، واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده يوم القيام لعلّكم توقنون.

أيها الإخوة المسلمون، إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة انتصارٌ للحق وذلٌّ للباطل، وأخذٌ للمتكبر ونعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأن كل مؤمن يُسَرُّ بذلك؛ لأن فيه نصر دين الله عزَّ وجل، وفي هذا الشهر ـ شهر المحرم ـ كانت نجاة موسى ـ عليه السلام ـ وقومه من فرعون وجنوده، لقد أرسله الله تعالى إلى فرعون بالآيات البيّنات والبرهان القاطع على نبوَّته، أرسله إلى فرعون الذي تكبَّر على الملإ وقال * { ... أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} سورة النازعات / آية: 24، فجاءه موسى بالآيات العظيمة ودعاه إلى توحيد الله تعالى، إلى خالق السماوات والأرض رب العالمين، فقال فرعون مكابرًا ومنكرًا وجاحدًا: * { ... وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} سورة الشعراء / آية: 23، أنكرَ الرب العظيم الذي قامت بأمره السماء والأرض، وفي كل شيء له آية تدلّ على وجوده وربوبيّته وعلمه وقدرته وحكمته، وأنه الرب الواحد الذي يجب إفراده بالعبادة كما هو منفردٌ بالخلق والتدبير، فأجابه موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ قائلًا: * {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ} سورة الشعراء / آية: 24، يعني: هذا رب العالمين، وذلك أن في السماوت وما بينهما من الآيات ما يوجب الإيمان واليقين، فردَّ فرعون مقالةَ موسى ساخرًا به ومستهزئًا ومحتقرًا، * {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} سورة الشعراء / آية: 25، يقول هذا سخرية واستهزاءً فأجاب موسى ـ عليه السلام ـ مُذكِّرًا لهم أصلهم وأنهم مخلوقون مربوبون وكما خُلقوا فهم صائرون إلى العدم طريقة آبائهم الأولين فقال * { ... رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} سورة الشعراء / آية: 26، وحينئذٍ بُهت فرعون فلم يستطع أن يُجيب ولكنّه ادَّعى دعوى الكاذب المغبون فقال * { ... إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} سورة الشعراء / آية: 27، وهكذا يكون رد الخائب الخاسر الذي ليس عنده برهان أن يلجأ إلى الطعن وإلى اللجاج وإلى الغضب، فطعن فرعون بالرسول وبِمَن أرسله فأجابه موسى مُبيِّنًا من هو الأحق بوصف الجنون، أهو المؤمن بالله خالق السماوات والأرض ومالك المشرق والمغرب أم هو المنكر لذلك؟ فقال موسى: * { ... رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} سورة الشعراء / آية: 28، ومَنْ الذي يملك المشرق والمغرب؟ مَن الذي يملك الأفاق سوى الملك الخلاق، فلمّا عجز فرعون عن مقاومة الحق وأفحمه موسى بالحجة والبرهان، لجأ إلى ما يلجأ إليه العاجزون المتكبّرون من الإرهاب والوعيد فتوعَّد موسى بالاعتقال والسجن قائلًا: * { ... لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} سورة الشعراء / آية: 29، وتأمّل لم يقل: لأسجننك، بل قال: * { ... لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} إشارة إلى أن لديه مساجين كثيرين؛ ليزيد في إرهاب موسى حيث إن له من القوة والسلطان ما مكَّنه من سجن الناس الذين سيكون موسى من جملتهم على حدِّ تهديده، قال:

* { ... لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} سورة الشعراء / آية: 29، وما زال موسى يأتي بالآيات واضحة وضوح النهار وفرعون يحاول بكل جهوده ودعاته أن يقضي عليها بالرد والكتمان حتى قال لموسى ـ عليه السلام ـ: * ... أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت