الصفحة 54 من 64

قوله:"ما ظنُّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"أي: ما ظنُّك، هل أحد يقدر عليهما أو ينالهما بسوء؟ وهذه القصة كانت حينما هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة إلى المدينة، وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما جهر بالدعوة، ودعا الناس، وتبعوه، وخاف المشركون، وقاموا ضد دعوته، وضايقوه، أذوه بالقول وبالفعل، فأذن الله له بالهجرة من مكة إلى المدينة ولم يصحبه إلا أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ، والدليل، والخادم، فهاجر بأمر الله، وصحبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ. ولما سمع المشركون بخروجه من مكة، جعلوا لمن جاء به مائتي بعير، ولمن جاء بأبي بكر مائة بعير، وصار الناس يطلبون الرجلين في الجبال، وفي الأودية وفي المغارات، وفي كل مكان، حتى وقفوا على الغار الذي فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر، وهو غار ثور الذي اختفيا فيه ثلاث ليال، حتى يبرد عنهما الطلب، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، لأننا في الغار تحته، فقال:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"وفي كتاب الله أنه قال:

{ ... لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ... } سورة التوبة / آية 40، فيكون قال كلا الأمرين، أي: قال:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"وقال: { ... لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ... } .

فقوله:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"يعني: هل أحد يقدر عليهما بأذية أو غير ذلك؟

والجواب:

لا أحد يقدر، لأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع، ولا مذل لمن أعز ولا معز لمن أذل:

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة آل عمران / آية: 26.

وفي هذه القصة: دليل على كمال توكل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ربه، وأنه معتمد عليه، ومفوض إليه أمره، وهذا هو الشاهد من وضع هذا الحديث في باب اليقين والتوكل ـ في رياض الصالحين ـ. وفيه دليل على أن قصة نسج العنكبوت غير صحيحة، فما يوجد في بعض التواريخ، أن العنكبوت نسجت على باب الغار، وأنه نبت فيه شجرة، وأنه كان على غصنها حمامة، وأن المشركين لما جاءوا إلى الغار قالوا هذا ليس فيه أحد، فهذه الحمامة على غن شجرة على بابه، وهذه العنكبوت قد عششت على بابه، كل هذا لا صحة له، لأن الذي منع المشركين من رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه أبو بكر ليست أمورًا حسية ـ تكون لها ولغيرها ـ بل هي أمور معنوية، وآية من آيات الله عز وجل، حجب الله أبصار المشركين عن رؤية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وصاحبه أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، أما لو كان أمور حسية، مثل العنكبوت التي نسجت، والحمامة، والشجرة، فكلها أمور حسية، كل يختفي بها عن غيره، لكن الأمر آية من آيات الله عز وجل، فالحاصل أن ما يذكر في كتب التاريخ في هذا لا صحة له، بل الحق الذي لا شك فيه، أن الله تعالى أعمى أعين المشركين عن رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه ـ رضي الله عنه ـ في الغار. والله الموفق.

رياض الصالحين / شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين / المجلد الأول / (7) ـ باب: اليقين والتوكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت