الصفحة 52 من 139

"ومَن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"البقرة 130.

وقفة مع الفرق الكلامية المسلمة

عندما ازدهرت حركة الترجمة في القرون الأولى للإسلام مع توسع الفتوحات لتقترب من بلاد فارس واليونان، لم يتم نقل وترجمة العلوم الطبيعية فقط للاستفادة منها وإنما انتقلت معها الكثير من الفلسفات الوثنية في تلك الأمم، حيث عندما غاب عنهم نور الوحي لجأوا إلى الفلسفة يبحثون فيها عن إجابات الأسئلة الوجودية الكبرى بل وخاضوا في ذات الله أو المحرك الأول أو الصانع الأول أو واجب الوجود وكيفية خلقه (أي كيف يخلق) وغير ذلك.

وللأسف الشديد تسلل عدد من ضلالات تلك الفلسفات إلى بعض المسلمين فتأثروا به وضلوا وأضلوا، وحتى عندما أرادوا أن ينبروا لتلك الأفكار الفلسفية للرد عليها، رأوا أن الرد الأمثل يكون (بنفس أدواتها الفلسفية) ، وكان هذا خطأ كبير جدًا منهم للأسف، وتم تسمية هؤلاء بعلماء الكلام، أو مَن تسمت الفرق التي نشأت عنهم فيما بعد بالفرق الكلامية، وكان أشهرهم المعتزلة، وكانت من أشهر المعارك الفكرية التي وقعت بسببهم هي فتنة (خلق القرآن) أي: هل القرآن (كلام الله) فعلًا كما هو ظاهر القرآن؟ أم هو (مخلوق) خلقه الله (لأنهم أرادوا تنزيه الله عن الكلام وكأن الكلام نقصًا وعيبًا أو أنه يستدعي من الله ما يستدعي في الإنسان من لسان ولهاة وسفتان وأسنان!!) ولم يثبت في تلك الفتنة على رأيه الموافق لظاهر القرآن إلا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رغم كل ما لاقاه من الخليفة في وقته والذي كان مائلًا للجانب المعتزلي لدرجة أنه تم جلد الإمام وتعذيبه وسجنه، ثم انتصر الحق أخيرًا.

وكما ذكرنا منذ قليل:

لقد حذر الإسلام من التعمق والتشدق والتفلسف فيما لا طائل للعاقل به، وفيما لا طاقة للعقل به، مثل التفكر في (ذات) الله أو (ماهيته) أو (كنهه) ، إذ يستحيل لأحد أن يصل إلى شيء من ذلك لقصور العقل وقدراتنا كمخلوقين أمام الخالق، فلا سبيل إلى معرفة شيء عنه إلا مما يخبر به بنفسه ووحيه، وأما غير ذلك فهو تخرصات (أي أكاذيب) وتخمينات ممجوجة تغر أصحابها أنهم على شيء أو أنهم ينزهون الله، وفي الحقيقة هم ينزهون الله الذي تصوره فلاسفة اليونان!!

ويا ليت المشكلة توقفت عند هذا الحد، لكان الأمر محدود بأفراد اختاروا طريقًا غير طريق الهدى السهل الذي وفره الله لكل إنسان وأمر به رسوله صحابته والناس. وإنما رأى عدد من علماء الكلام أنه لا سبيل للإيمان الحق إلا باتباع طريقتهم في التفكير والتفلسف أو علم الكلام، وأنه بغير ذلك وبغير الشك والتفكير من كل مسلم: فسوف يكون مسلمًا مقلدًا غير مقبول إيمانه أو ناقص، وهذا والله ظلم عظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت