فهرس الكتاب
وتقتضي متابعة الناس لهم فيها؛ هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذمِّ والعقوبة عليها ما لا يستحقُّه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأنَّ إظهار غير العالم - وإن كان فيه نوع ضرر - فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق، ويوجب ظهور الباطل؛ فإنّ إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد، ودفع العدو؛ ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة؛ لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين» [1] .
أمّا الحديث عن وسائل لبس الحق بالباطل فيمكن إجماله في ثلاثة أمور موضِّحًا كل واحد من هذه الوسائل مع ذكر صورٍ ونماذج قديمًا وحديثًا من لبس الحق بالباطل، وخلطه به، وكونه أثرًا من آثار الاستهزاء على الدعوة الإسلامية، فمن ذلك ما يلي:
أولًا: كتمان الحقِّ وإخفاؤه، مع إظهار الباطل وإعلانه.
هذا الأمر ظهر قديمًا في الأمم السابقة، فهذا فرعون عندما أرسل الله - سبحانه وتعالى - له موسى - عليه الصلاة والسلام - كذَّبه وسخر به، واتهمه بالسحر والشعوذة، وأنَّ الذي جاء به ما هو إلّا تدليس وتلبيس، أراد موسى أن يبدِّل به ديانة قومه التي زرعها فيهم فرعون عندما ادعى لنفسه الربوبية فقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ، فاسْتَخَفَّ قومه بهذا الزعم الكاذب، الذي ادعى فيه أنه رَبُّ العالمين الذي أتقن، العوالم، وموسى مفتري!! يريد تبديل الدين، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
(1) «مجموع الفتاوى - الحسبة» (28/ 188) لابن تيمية.