يقاطع المجلس وأهله، فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة، وهو المعبر بين الإيمان والكفر على قنطرة النفاق!» [1] .
ومن هنا وبعد هذا العرض السريع لحكم القعود مع المستهزئين نَنْتَقِلُ إلى المطلب الثاني لنتعرّف على موقف المسلم منهم، وكيف يكون في حال الضعف وحال التمكين، هذا ما سأعرضه إن شاء الله.
* المطلب الثاني *
موقف المسلم من المستهزئين
إن موقف المسلم من المستهزئين بالله وآياته ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قد بُيَّنَ لنا في القرآن الكريم، وجاءت السنة العملية من واقع حياة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - واضحة وضوح الشمس في نحر الظهيرة، ولكن هذا الموقف يختلف ما بين العهد المكي وأول العهد المدني، وما بعد بدر وتبوك، ففي مكة كان المسلمون يؤمرون بكف أيديهم والصبر ولفت أنظارهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... } [النساء: 77] .
يقول ابن كثير - عليه رحمة الله: «كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة، منها: قلة العدد بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء
(1) المصدر السابق (2/ 780 - 781) .