فهرس الكتاب
وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: {لِيُثْبِتُوكَ} أي: ليحبسوك ويوثقوك. ومنهم: من أشار إلى نفيه وطرده من مكة، وهذا معنى قوله تعالى: {أَوْ يُخْرِجُوكَ} ، ومنهم من قال: ينتدب من كل بطن شابًا جلدًا فيقتلوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيتفرق دمه بين القبائل فلا يقدر قومه بنو هاشم الأخذ بثأره، وهو قوله تعالى: {أَوْ يَقْتُلُوكَ} [1] . فكان أن نجَّاه الله من مكرهم وكيدهم، وأذن الله لنبيه بالهجرة على ما هو معلوم في دواوين السنة، وكتب السيرة النبوية.
ولم تقف محاولة الوثنيين ضدّ الدعوة وصاحبها - صلى الله عليه وسلم -، وهذه المحاولات من المشركين ما زالت إلى اليوم يواجهون بها دعوة الحق، فيكيلون لها التهم والافتراءات في نفس تلك القوالب القديمة، ولكنها مغلفة بأحدث الوسائل التقنية الحديثة، فمن يراهم في وقتنا الحاضر ويقرأ ما حدث في الماضي يجده يخرج من كير واحد: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] ، فالواجب الإعراض عن كيد هؤلاء مع مواصلة طريق الدعوة، وتوطين النفس على العقبات الكثيرة: {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .
فأبدأ أولًا بذكر وسائل اليهود في إعاقة انتشار الإسلام:
فمنها: إسلام بعض أحبارهم نفاقًا واستهزاءً برسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وبدينه.
قال ابن إسحاق: «وكان ممن تعوّذ بالإسلام، ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو مُنافق، من أحبار يهود. من بني فينقاع: سعد بن حُنيف، ونعمان بن أوفى بن عمرو، وعثمان بن أوفى، وزيد بن اللُّصيت، الذي قاتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بسوق بني قينقاع، وهو الذي
(1) انظر: «السيرة النبوية» مجلد (1/ 480 - 484) لابن هشام.