فهرس الكتاب
الذي كان يسير في المجتمع من الترف والمجون والانصراف عن الذكر وعن الآخرة، فأرادوا أن ينجوا بأنفسهم، فابتعدوا عن الناس وانعزلوا عن هذا المجتمع الفاسد، ليعيشوا حياة نقية طاهرة مع الله [1] .
ثمَّ بعد ذلك أخذ التصوف مسارًا آخر وهو الانعزال عن المجتمع وترك عمارة الأرض، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، والدعوة إلى الله تعالى، والاهتمام بالزوايا والأربطة، دون معايشة الناس والصبر عليهم حتى وصل بهم الحال إلى درجة من الانحراف والضلال {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، فنتج عن هذا كله «حصر العبادة في الشعائر فحسب» دون بقية مجالات الحياة.
-ومن أسباب انحسار مفهوم العبادة، ما ظهر في تاريخ هذه الأمة من تقسيم علمي تعليمي - لم يُقْصَدْ بِهِ تفريق الدين وتمزيقه - لما يقوم به المسلمون من نشاط إلى: «عبادات» و «معاملات» في علم الفقه الإسلامي.
يقول سيد قطب رحمه الله: «إن تقسيم النشاط الإنساني إلى «عبادات» و «معاملات» مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة «الفقه» . ومع أنه كان المقصود به - في أول الأمر - مجرد التقسيم «الفني» الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه - مع الأسف - أنشأ فيما بعد آثارًا سيئة في التصور، تبعته بعد فترة آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أنَّ صفة «العبادة» إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله «فقه العبادات» بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله فقه
(1) انظر: «واقعنا المعاصر» (ص 139) ، للشيخ محمد قطب.