المحاكمة القضاة والأعيان، وبعد إدانة المذكور بما نسب إليه وعجزه عن دفع ما ادّعِيَ عليه، حكم القاضي بإراقة دمه وإن تاب، فأُخذ المذكور وضربت عنقه بدمشق، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية [1] ، وكان يومًا مشهودًا [2] .
فرحم الله الحافظَين المِزِّي والذهبي وأولئك القضاة الذين حكموا في أولئك الزنادقة الساخرين بدين الإسلام، وبرسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم -، فقد أدوا الأمانة، وقاموا بالحق خير قيام: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .
وقد كان العلماء يشاركون في الأحداث السياسية، ويتدخلون في قضايا الأمة، ويحسمون المواقف في كثير من الأحيان لصالح أمتهم ودينهم، وخير مثال على هذا ما قام به العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - عليه رحمة الله -.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وفي يوم الجمعة العشرين منه (أي: من شهر شوال سنة 699 هـ) ركب نائب السلطنة جمال الدين أقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان [3] ، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لَمَّا كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلدانهم، وثبوا
(1) هم القائلون بأنَّ الخالق عين المخلوق.
(2) «البداية والنهاية» (14/ 201) لابن كثير. وانظر: «الحبسة في العصر المملوكي» (ص 348 - 349) .
(3) جبال بسواحل الشام يكثر فيها الباطنية. انظر: «منهاج السنة» (6/ 418) لابن تيمية.