فهرس الكتاب
وجهلهم بالله وصفاته، وقدرته على تعذيب المعاندين لرسوله [1] ، وقد تلقى نوح - عليه الصلاة والسلام - هذا: «الاتهام والإعراض والاستكبار، في سماحة النبي وفي استعلائه، وفي ثقته بالحق الذي جاء به، واطمئنانه إلى ربه الذي أرسله؛ وفي وضوح طريقه أمامه واستقامة منهجه في شعوره، فلا يشتم كما شتموا، ولا يتهم كما اتهموا، ولا يدعي كما ادعوا، ولا يحاول أن يخلع على نفسه مظهرًا غير حقيقته، ولا على رسالته شيئًا غير طبيعتها ... » [2] .
هذا وصف الملأ المستكبرين لنوح - عليه السلام -، أما وصفهم ونبزهم لأتباعه فقد أبان عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27] ، وقوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الشعراء: 111 - 115] .
قال ابن كثير رحمه الله: «ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة، وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف، ولا الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروٍّ منهم، ولا فكر ولا نظر، بل بمجرد أجابوك فاتبعوك، ولهذا قالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: في أول بادئ: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} ، يقولون ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْقٍ ولا خُلُق، ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} ، أي: فيما تدعونه لكم
(1) انظر: «التحرير والتنوير» (12/ 68) لابن عاشور.
(2) «في ظلال القرآن» (4/ 1873) لسيد قطب.