فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 1137

وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة عملهم، وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه (في ميزان المعاندين) ، فإنَّ الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] [1] .

قال القرطبي رحمه الله: «قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير؛ والفقير خليٌّ عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا» [2] .

ويشهد لهذا المعنى حديث أبي سفيان الطويل، مع هرقل، وفيه: «قال: (أي: هرقل) فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، ... قال هرقل (في آخره) : وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاءَهم؟ فذكرت: أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل ... » [3] .

وقال ابن كثير - أيضًا: «وقولهم بادي الرأي ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لابُدَّ من إتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء، بلا لا يفكر هاهنا إلا غبي أو

(1) انظر: «تفسير القرآن العظيم» (2/ 685) ، و «محاسن التأويل» (4/ 298 - 299) للقاسمي، و «في ظلال القرآن» (4/ 1872 - 1873) لسيد قطب.

(2) «الجامع لأحكام القرآن» (9/ 17) .

(3) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، الباب السادس، برقم (7) ، «فتح» (1/ 42 - 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت