فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1137

فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئًا؟ قال: سمعت أبا القاسم يقول: «إن رجلًا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» [1] ، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك، (وأسند أبو ريّة هذا الخبر إلى ابن كثير) ، ثم قال: ويبدو من سؤال هذا الرجل أنه لم يكن مستفهمًا، وإنما كان متهكمًا، إذ لم يقل له: إنك تحفظ أحاديث رسول الله، وإنما قال: تكثر الحديث عن رسول الله، وسياق الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ويسخر منه» [2] .

لا شك أن أبا ريَّة متحامل على أبي هريرة في نقل هذا الخبر بهذه الصورة المشوهة التي تصف أبا هريرة بأنه كان سُخْرَة عند أهل زمانه، هذا ما نفهمه من عبارة أبي ريَّة «ولقد كانوا!!؟ يتهكمون من روايته» ، فلفظ «كانوا» من صيغ الجمع، فتدل على أن عددًا كبيرًا كان يفعل ذلك، والخبر يكذب عبارة أبي ريَّة هذه، في روايته التي ساقها «أنَّ رجلًا من قريش ... » ، فكيف نجمع بين قول المفتري الطاعن «كانوا» وبين لفظ الرواية التي تقول بأنه شابٌ واحد؟ اللهمَّ إلا عند العلماء المحققين!!! أمثال أبي ريَّة، هذا أولًا.

وثانيًا: إنَّ استهزاء رجل عابث بعالم من العلماء سواء كان صحابيًا أو غير صحابي، أمر غير مستنكر، ولا يدل على نقص وعيب في المستهزأ به، إذ وقع هذا للأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وهم

(1) رواه البخاري في اللباس، باب من جرَّ ثوبه من الخيلاء، برقم (5790) ، «فتح» (10/ 269) ، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي، مع إعجابه بثيابه، برقم (2088) ، «نووي» (14/ 308 - 309) .

(2) «أضواء على السنة المحمدية» (ص 161) نقلًا عن «السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي» (ص 341) مصطفى السباعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت