الدليل الخامس:
قصة إسلام عبد الله بن أبي سرح [1] وهي مما اتفق عليه أهل العلم، واستفاضت عندهم، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: لما كان يوم فتح مكة أمَّنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح، فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة جاء به حتى وقفه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله: بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله» ؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، فقال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» [2] .
قال ابن تيمية: «ففي هذا الحديث دلالة على أن المفتري على النبي - عليه الصلاة والسلام - الطاعن عليه قد كان له أن يقتله، وأن دمه
(1) أبو يحيى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث، الأمير، قائد الجيوش، القرشي العامري، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، له صحبة ورواية حديث، كان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ارتد ولحق بقريش، ثم أسلم أيام الفتح، وحسن إسلامه، توفي بالرملة وهو في صلاة الصبح سنة تسع وخمسين، وقيل: ست أو سبع وثلاثين. انظر: «الاستيعاب» (3/ 50 - 52) ، و «أسد الغابة» (3/ 259 - 261) ، و «السير» (3/ 33 - 35) ، و «الإصابة» (4/ 94 - 96) .
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، برقم (2683) (3/ 133 - 134) ، وفي الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، برقم (4359) (4/ 527) ، والنسائي في كتاب المحاربة «تحريم الدم» ، باب الحكم في المرتد، برقم (3530) (2/ 302) ، وصححه الشيخ الألباني. انظر: «صحيح سنن أبي داود» (2/ 510 - 511، 3/ 823 - 824) .