الشرط الثاني: قيامُ الحجة في حق المسلم المعيَّن. أو بمعنى آخر: انطباق الحكم على الشخص المعيَّن بحيث تتمُّ شروط التفكير في حقِّه وتنتفي الموانع [1] ، فقيام الحجة يحتاج إلى إيضاح من خلال معناه، وأدلته، وضابطه.
أمَّا معنى قيام الحجة: فهو بُلُوُغ دعوة الله التي جاء بها الرسول - عليه الصلاة والسلام - إلى الناس، قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ... } [الأنعام: 19] .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فإنَّ حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكُلُّ من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصَّرَ عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذبُ أحدًا إلَّا بَعْدَ قيام الحجة عليه، فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه ... » [2] .
أما الأدلة على قيام الحجة، وإعذار الله تعالى إلى خلقه، فمنها: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله: «ظاهر هذه الآية الكريمة: أن الله - جل وعلا - لا يعذب أحدًا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة،
(1) «القول المفيد» (2/ 271) ، و «مجموع فتاوى ورسائل» (ص 126، 134) لابن عثيمين.
(2) «مدارج السالكين» (1/ 217) . وانظر: «مجموع الفتاوى (22/ 41) لابن تيمية. وهناك من يرى أن الحجة إن لم تقم على العبد بالشرع، فهي قائمة عليه بالعقل، وعليه فالحجة قائمة على من لم تبلغه الحجة الرسالية، وهذا خلاف مذهب السلف، وهو مذهب المعتزلة. انظر: «الجواب الصحيح» (2/ 296 - 297) .