فهرس الكتاب
الثاني: «أنّ هذا الحديث يذكر لبيان سعة رحمة الله - عز وجل - حيث غفر لهذا الرجل رغم هذا الجهل الكبير، فلو كانت المغفرة لرجل أخطأ في كلام قاله دون شعور منه ولا إدراك لما يقول لما كان للمغفرة في هذه الحالة مزية، ولصار في حكم من سقط عنه التكليف، وحينئذٍ لا يعتبر قد ارتكب خطأ، ولذا مِنْ فقهِ الإمام الزهري أنَّه لمَّا روى هذا الحديث الذي تتبين فيه سعة رحمة الله وفضله، روى بعده حديث المرأة التي دخلت النار لهرة حبستها (حديث من أحاديث الخوف والوعيد) ، ثم قال: «ذلك لئلا يتكل ولا ييأس رجل» [1] » [2] .
فالذي يترجح، ويجب القطع به ما ذهب إليه الخطابي وابن تيمية وتلميذه - رحمهم الله تعالى - من أنَّ عُذْرَه كان بسبب جهله، وإلّا فإنه ارتكب ما يوجب الكفر، وهو إنكاره لقدرة الله تعالى أو شكِّه على إعادته بعد التحريق، وذلك جهلٌ منه، مع أنَّ أصل الإيمان واضح في الحديث، قال ابن تيمية: « ... فلمَّا كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أنَّ الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل صالحًا - وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه - غفر الله له بما كان فيه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح» [3] . والله أعلم.
2 -حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يدرس الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب [4] ، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليُسْرَى على كتاب الله - عز وجل - في ليلة، فلا يبقى منه
(1) انظر: «شرح صحيح مسلم» (17/ 78) للنووي.
(2) «نواقض الإيمان الاعتقادية» (1/ 230 - 231) د. محمد الوهيبي.
(3) «مجموع الفتاوى» (1/ 491) . وانظر: «نواقض الإيمان الاعتقادية» (1/ 228) .
(4) أي: لونه، وحسنه، ونسجه. انظر: «لسان العرب» (15/ 392) .