يقول سيد قطب رحمه الله مبينًا حكمة تحريم القعود والتدرج فيه: «وقد كان بعض المسلمين في المدينة يجلسون في مجالس كبار المنافقين - ذوي النفوذ - وكان ما يزال لهم ذلك النفوذ، وجاء المنهج القرآني ينبه في النفوس تلك الحقيقة ... حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها، هو أولى مراحل الهزيمة، وأراد أن يجنبهم إياها ... ولكن الملابسات في ذلك الحين لم تكن تسمح بأن يأمرهم بمقاطعتها حين يسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ... وإلا فهو النفاق ... وهو المصير المفزع، مصير المنافقين والكافرين: {إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} ... ولكن قصر النهي على المجالس التي يكفر فيها بآيات الله ويستهزأ بها، وعدم شموله لكل علاقات المسلمين بهؤلاء المنافقين، يشي - كما أسلفنا - بطبيعة الفترة التي كانت تجتازها الجماعة المسلمة - إذ ذاك - والتي يمكن أن تتكرر في أجيال أخرى وبيئات أخرى، كما تشي بطبيعة المنهج في أخذ الأمر رويدًا رويدًا، ومراعاة الرواسب والمشاعر والملابسات والوقائع ... في عالم الواقع .. مع الخطو المطرد الثابت نحو تبديل هذا الواقع!» [1] .
وقد يتصور بعض المفتونين ومن لا نصيب لهم من علم النبوة أن مجالسة هؤلاء المستهزئين هي من باب التسامح، أو من باب سعة الصدر والأفق، أو بدعوى حرية الرأي، أو ما يسميه دهاء وحكمة، وهذا كله من وساوس الشيطان وأول مراحل الهزيمة النفسية، وتمييع مبدأ الولاء والبراء والقضاء على الحاجز بين المؤمنين وبين المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، فالواجب «الحَمِيَّةُ لله، ولدين الله، ولآيات الله ... وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد، وينزاح بعدها كل حاجز، وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار. وإن الحَمِيَّةَ لتكبت في
(1) «في ظلال القرآن» (2/ 781) .