يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أما قبل براءة وقبل بدر فقد كان مأمورًا بالصبر على أذاهم (يعني: المشركين وأهل الكتاب) والعفو عنهم، وأما بعد بدر وقبل براءة فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك عمن سالمه كما فعل بابن الأشرف [1] وغيره ممن كان يؤذيه، فبدر كانت أساس عز الدين، وفتح مكة كانت كمال عز الدين، فكانوا قبل بدر يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه، وبعد بدر يؤذون في السر من جهة المنافقين وغيرهم فيؤمرون بالصبر عليه، وفي تبوك أمروا بالإغلاظ للكفار والمنافقين، فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم، في مجلس خاص ولا عام، بل مات بغيظه، لعلمه بأنه يقتل إذا تكلم، وقد كان بعد بدرٍ استطالة وأذى للمسلمين إلى أن قتل كعب بن الأشرف» [2] .
وهذه القاعدة في التعامل مع أعداء الإسلام في حال الضعف وحال القوة لا تختص بعهد النبوة وصدر الإسلام فحسب بل هي عامة في كل زمان يجري على الأمة الإسلامية ظروف الذلة والهوان، وعلو شأن أعدائها، فتعود إذًا إلى {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48] ، وكف الأيدي والصبر، ثم إذا مُكِّن لها عادت إلى {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] .
يقول ابن تيمية رحمه الله: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذي يطعنون في الدين،
(1) انظر: تخريج حديثه (ص 375) من هذه الرسالة.
(2) «الصارم المسلول» (ص 227 - 228) .