فكان من رحمة الله تعالى أن نجَّى نبيَّهُ ومن آمن معه، وأهلك أعداءه وأعداء رسله، وكتب عليهم الزوال لأنهم لا يستحقون البقاء على هذه الأرض؛ فلا صلاح فيهم لعمارتها بذكر الله وعبادته، قال تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 39 - 40] .
وقال تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] ، وقد بيّن الله - جلَّ وعلا - في موضع آخر من كتابه تفصيل هذا الغرق فقال: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر: 11 - 13] [1] .
وعقوبة الغرق هذه أزال الله بها ملك فرعون وقومه مستكبرين عن دعوة نبي الله وكليمه موسى - عليه الصلاة والسلام - وذلك أنهم تمادوا في الباطل، وتكذيب الرسول والاستهزاء به، ولم ينفعهم ما أقام الله لهم من «الحجج العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار، وحيَّرَ العقول، وهم من ذلك لا يرعوون ولا ينتهون، ولا ينزعون ولا يرجعون» [2] .
وعندما أيقن موسى - عليه الصلاة والسلام - أنَّ فرعون وقومه لا خير فيهم، ولا يريدون الهداية، دعا عليه وعلى قومه غضبًا لله تعالى، «لتكبره عن إتباع الحق، وصده عن سبيل الله ومعاندته وعتوه وتمرده،
(1) انظر مثلًا: «قصص الأنبياء» (ص 83 - 116) لابن كثير ففيه تفصيلات قصة نوح مع قومه، و «سنّة الله في عقاب الأمم في القرآن الكريم» (ص 125 - 129) عبد السلام الشريف.
(2) «قصص الأنبياء» (ص 435) لابن كثير.