وكان - صلى الله عليه وسلم - يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، فعن عائشة رضي الله عنها: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار، قال - [القائل: عروة بن الزبير] : قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح [1] ، فكانوا يرسلون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ألبانها فيسقيناه [2] .
وربما ربط - صلى الله عليه وسلم - على بطنه الحجر من الجوع فعن أنس - رضي الله عنه - قال: جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة على حجر [3] ، فقلت
(1) (منائح) : منيحة اللبن كالناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها.
(2) رواه البخاري في كتاب الهبة، باب الهبة وفضلها والتحريض عليها، برقم (2567) ، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، برقم (2972) .
(3) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: «وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع؛ فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك، فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر. وقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر، ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء، فلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل» ، فتح الباري (7/ 495) .