-تدل على هذه المكانة السامية لعلي وإخوانه، فلما شوهت الوقائع وأخبارها بما دسَّه فيها المتزيدون من أكاذيب لا مصلحة فيها لعلي وآله، كانت بها لعلي وبنيه صورة قبيحة لا تنطبق على الحقيقة والواقع، وظن المخدوعون بها أن تلك الطبقة - الممتازة على جميع أمم الأرض بعفتها وطهارة نفوسها وترفُّعها عن الصغائر - إنما كانت على عكس ذلك: تتنازع كالأطفال والرعاع على توافه الدنيا وسفساف العاجلة.
فالخلافة كانت في نظر الراشدين (عبئًا) يتولى الواحد منهم حمله بتكليف من المسلمين أداءً للواجب، ولم تكن عند أحد منهم (متاعًا) ولا (مأكلة) حتى ينازع غيره عليها.
ولما تآمرت المجوسية واليهودية على سفك دم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [1] ، وأبقى الله من حياته بقيةً
(1) الذي يظهر من النصوص التاريخية أن مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان نتيجة مؤامرة وتدبير ولم يكن مبادرة فردية من أبي لؤلؤة المجوسي، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 350) بإسناد صحيح من طريق جرير بن حازم قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: رأى عبد الرحمن بن عوف السكين التي قتل بها عمر فقال: رأيت هذه أمس مع الهرمزان، وجفينة، فقلت: ما تصنعان بهذه السكين؟ فقالا: نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم. فقال له عبيد الله بن عمر: أنت رأيتها معهما؟ قال: نعم فأخذ سيفه ثم أتاهما فقتلهما».
وأخرج أيضًا (3/ 355) بإسناد صحيح من طريق ابن شهاب الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال حين قتل عمر: قد مررت على أبي لؤلؤة قاتل عمر ومعه جفينة، والهرمزان وهم نجي فلما بغتهم ثاروا، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر؟ فوجدوه الخنجر الذي نعت عبد الرحمن بن أبي بكر، فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه السيف حتى دعا الهرمزان فلما خرج إليه قال: انطلق معي حتى ننظر إلى فرس لي، وتأخر عنه حتى إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، قال عبيد الله: فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، قال عبيد الله: ودعوت جفينة - وكان نصرانيًا من نصارى الحيرة وكان يعلم الكتاب بالمدينة - قال عبيد الله: فلما علوته بالسيف صلَّب بين عينيه.
كما أخرج ذلك البلاذي في ترجمة عمر (ص 367) من أنساب الأشراف من طريق ابن سعد عن سعيد بن المسيب به، وابن جرير في تاريخه (4/ 240) من طريق سيف بن عمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب به، فهذه النصوص واضحة الدلالة على المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.