قلوبهم في ذلك الحين.
إن دراسة هذا الموضوع الآن على ضوء القرائن القليلة التي بقيت لنا بعد مضي ثلاثة عشر قرنًا تحتاج إلى من يتفرغ لها من شباب المسلمين، وسيجدون مستندات الحق في تاريخهم كافية لوضع كل شيء في موضعه إن شاء الله [1] .
فأول فتنة وقعت في الإسلام هي فتنة المسلمين بمقتل خليفتهم وصهر نبيهم الإمام العادل الكريم الشهيد ذي النورين عثمان بن عفان رضوان الله عليه [2] . وقد
(1) لقد تمكن عدد من الباحثين ولله الحمد إلى الوصول إلى الصورة الصحيحة للأحداث، وقد أشرت إلى دراساتهم فيما سبق.
(2) أخرج البخاري في صحيحه معلقًا (7/ 323 من فتح الباري) حديث رقم: 4024، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان - فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية - يعني الحرة - فلم تبق من أصحاب بيعة الحديبية أحدًا، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ»، وطباخ: بفتح المهملة والموحدة الخفيفة، أي قوة.
قال الحافظ ابن حجر: هذا الأثر وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري نحوه. ومعنى قوله في الفتنة الأولى - يعني قتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدر أحدا: أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين. وقوله: ثم وقعت الفتنة الثانية: يعني الحرة كانت الحرة في آخر زمن يزيد سنة 63 هـ، وقوله: ثم وقعت الثالثة، ولم يفسر يحيى بن سعيد الثالثة كما فسر غيرها، ويظهر أن يحيى بن سعيد أراد الفتن التي تقع في المدينة النبوية دون غيرها لما ذكر ابن التين أن مالكًا روى عن يحيى بن سعيد قال: لم تترك الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: ونسبت الثالثة. قال ابن عبد الحكم: هو يوم خروج أبي حمزة الخارجي، وكان ذلك في خلافة مروان بن محمد بن الحكم سنة 130 هـ، وكان ذلك قبل موت يحيى بن سعيد بمدة (فتح الباري 7/ 325) .
قلت: ويمكن اعتبار موقعة الجمل وصفين الفتنة الثانية كما سيأتي.