إن هذا الشيطان هو عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء، وكان يسمى ابن السوداء، وكان يبث دعوته بخبث وتدرج ودهاء. واستجاب له ناس من مختلف الطبقات، فاتخذ من بعضهم دعاة فهموا أغراضه وعوَّلوا على تحقيقها. واستكثر أتباعه بآخرين من البلهاء الصالحين المتشددين في الدين المتنطعين في العبادة ممن يظنون الغلو فضيلة والاعتدال تقصيرًا. فلما انتهى ابن سبأ من تربية نفر من الدعاة الذين يحسنون الخداع، ويتقنون تزوير الرسائل، واختراع الأكاذيب، ومخاطبة الناس من ناحية أهوائهم، بث هؤلاء الدعاة في الأمصار - ولا سيما الفسطاط والكوفة والبصرة - وعنى بالتأثير على أبناء الزعماء من قادة القبائل وأعيان المدن الذين اشترك آباؤهم في الجهاد والفتح، فاستجاب له من بلهاء الصالحين وأهل الغلو من المتنطعين جماعات كان على رأسهم في الفسطاط الغافقي بن حرب العكِّي [1] وعبد الرحمن بن عُدَيس البلوي التُّجِيبي الشاعر [2] وكنانة ابن
(1) كان أمير المصريين الذين قدموا إلى عثمان، ولما منعوا عثمان من الصلاة في المسجد كان هو الذي يصلي بالناس، وهو من الذين اقتحموا دار عثمان وشارك في قتله (الطبري، التاريخ 4/ 354، 391) .
(2) له ترجمة في طبقات ابن سعد (7/ 509) والاستيعاب (2/ 840) ، وأسد الغابة (3/ 474) وقد نسبه بهذه النسبة «البلوي التجيبي» كل من ابن الكلبي كما في الطبري (4/ 368) وابن إسحاق (4/ 369) واقتصر كل من سيف بن عمر (4/ 348) والواقدي (4/ 382 - 373) على نسبته إلى بلي، وهي قبيلة معروفة تسكن شمال الجزيرة الغربي وتنسب إلى بلي بن عمرو بن الحافي بن قضاعة (ابن حزم: جمهرة أنساب العرب: ص 429) ، ولم ترد نسبته إلى تجيب في مصادر ترجمته. وتجيب فرع من السكون من قبائل اليمن وقد نسبوا إلى أمهم تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج (ابن حزم المصدر السابق /442) .