وأما القياس: فهو أنه لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن المسبوق، كسائر الأركان، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم الصلاة، فتكون غير مشروعة. [1]
الرأي الثاني- للمالكية والشافعية والحنبلية: وهو وجوب قراءة الفاتحة بعينها في الصلاة للإمام والمنفرد، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [2] ، وحملوا النفي على نفي الحقيقة، لأن الأصل والأقوى أن النفي على العموم، أي لا صلاة صحيحة، ونفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة.، ولفعله - صلى الله عليه وسلم -،فعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [3]
قال القرطبي:"الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِكُلِ أَحَدٍ عَلَى الْعُمُومِ، لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ، وَقَوْلِهِ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) ثَلَاثًا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. كَمَا لَا يَنُوبُ سُجُودُ رَكْعَةٍ وَلَا رُكُوعُهَا عَنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى، فَكَذَلِكَ لَا تَنُوبُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ عَنْ غَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ بِهِمُ الْقُدْوَةُ، وَفِيهِمُ الْأُسْوَةُ، كُلُّهُمْ يُوجِبُونَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .." [4]
(1) - التفسير المنير للزحيلي (1/ 62)
(2) - صحيح وقد مرَّ سابقًا
(3) - صحيح البخاري (1/ 128) (631)
(4) - تفسير القرطبي (1/ 119)