فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 227

ومن هذا الاعتبار فإن تقرير هذا المعنى لله عز وجل في أولى سور القرآن يصح أن يعتبر تصحيحا ربانيا لذلك النشوز والتحريف، ووضعا للأمر في نصاب الحق المحكم ليكون عقيدة الدين الإسلامي الذي شاء الله سبحانه أن يكون دين الناس جميعهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وبلادهم ولغاتهم. ووعد أن يظهره على الدين كله كما جاء في هذه الآية من سورة الفتح: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) .

ويَوْمِ الدِّينِ في الآية الثالثة يعني يوم القضاء بين الناس ويوم جزائهم على أعمالهم. والمقصود منه هو الحياة الأخروية التي يبعث الناس فيها ويقفون في يومها الأول أمام ربهم عز وجل ليحاسبوا على ما فعلوه في الدنيا ويجزوا عليه.

وهذه أولى إشارة إلى هذه الحياة، تأتي في أولى سور القرآن التي يجب تلاوتها في كل ركعة من ركعات كل صلاة مما يسبغ عليها مغزى هام وخطير. ثم توالت الإشارات إليها بأساليب متنوعة حتى شغلت حيزا عظيما في القرآن وحتى يمكن أن يقال إنها ذكرت في معظم سوره بإسهاب حينا واقتضاب حينا آخر. وصار الإيمان بها بمقتضى النصوص القرآنية ركنا من أركان الإسلام كما ترى في آية سورة البقرة هذه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ... [177] ، وهذه الآية في سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (136) ، وحتى صارت تشغل حيزا كبيرا في القرآن وخاصة في المكي منه بحيث يمكن أن يقال إنها كانت من أقوى وسائل الدعوة وتنبيه الناس وحثّهم على الإيمان بالله وحده والعمل الصالح وتحذيرهم من الآثام والمنكرات والفواحش.

ولقد احتوت الآيات القرآنية فيما احتوته بيانا للأهداف والمقاصد يمكن تلخيصها بأن الله تعالى لا يمكن أن يكون خلق الكون عبثا وأن حياة الإنسان الذي شاء أن يكون أكمل مخلوقاته الأرضية عقلا لا يمكن أن تكون قاصرة على الزمن القصير الذي يحياه في الدنيا. وأنه لا بد من أن يكون لها تتمة أكمل وأفضل وأدوم يسود فيها أهل الإيمان والحق والعدل والخير وينخذل فيها أهل الجحود والباطل والظلم والشر. وأنه لا يتسق مع عدل الله أن يفلت الشرير مما يرتكبه من الآثام التي كثيرا ما ينجو من عواقبها في الدنيا ومن عقاب جحوده لخالقه وما أسبغه عليه من نعم. وأن يذهب عمل المؤمن الصالح وما قد يناله في سبيل الحق والخير من أذى وحرمان كثيرا ما لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت