أحدهما: من يوجب ذلك في كل حال وزمان وعلى كل أحد ويذم من خرج عن ذلك مطلقا أو لحاجة كما هو حال أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتسننة والمتزهدة.
والثاني: من يبيح الملك مطلقًا؛ من غير تقيد بسنة الخلفاء؛ كما هو فعل الظلمة والإباحية وأفراد المرجئة، وتحقيق الأمر أن يقال:
انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك، إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علمًا وعملًا؛ فإن كان مع العجز علمًا أو عملًا كان ذو الملك معذورًا في ذلك، وإن كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة؛ كما تسقط سائر الواجبات مع العجز كحال النجاشي لما أسلم، وعجز عن إظهار ذلك في قومه؛ بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك مع بعض الوجوه؛ لكن الملك كان جائزًا لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف [1] ، وإن كان مع القدرة
(1) يعني أن الملك جائز في شريعتهم، ولا تجب خلافة النبوة، كما قال تعالى عنهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} وقوله: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} الآية ثم قال: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] ، وكان الملك قبل ذلك وبعده في ذرية الملوك منهم.