فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 672

سخر الحيوانات وعلَّم الإنسان صنعة المركوبات، كما امتن الله في تيسير صناعة الدروع الواقعية في قوله: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن

بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ. [1] لَبُوسٍ: درع تلبسونها وقت الحرب بَأْسِكُمْ: حربكم وشدكم وقوتكم فعلى الخلق أن يشكروا الله، إذ علمهم صناعة اللباس الساتر للعورات، ولباس الرياش، ولباس الحرب وآلات الحرب. وعلمهم صنعة الفلك البحرية والبرية والهوائية، وصنعة كل ما يحتاجون إلى الانتفاع به، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس متنوعة. ولكن أكثر الخلق في غفلة عن شكر الله، بل في عتو واستكبار على الله، وتجبر بهذه النعم على العباد. وفي هذا الحديث التذكر بسفر الدنيا الحِسِّي لسفر الآخرة المعنوي؛ لقوله:"وإنا إلى ربنا لمنقلبون"فكما بدأ الخلق فهو يعيدهم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. وقوله:"اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن الله أن يكون السفر موصوفًا بهذا الوصف الجليل، محتويًا على أعمال البر كلها المتعلقة بحق الله والمتعلقة بحقوق الخلق، وعلى التقوى التي هي اتقاء سخط الله، بترك جميع ما يكرهه الله من الأعمال، والأقوال، الظاهرة والباطنة، كما سأله العمل بما يرضاه الله. وهذا يشمل جميع الطاعات والقربات. ومتى كان السفر على هذا الوصف، فهو السفر الرابح، وهو السفر المبارك. وقد كانت أسفاره - صلى الله عليه وسلم - كلها محتوية لهذه المعاني الجليلة. ثم سأل الله الإعانة،"

وتهوين مشاق السفر، فقال:

"اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطَوِعَنَّا بعده"لأن السفر قطعة من العذاب. فسأل تهوينه، وطَيَّ بعيده. في السير، حتى يقطع

المسافات البعيدة، وهو غير مكترث، ويقيّض له من الأسباب المريحة في السفر أمورًا كثيرة، مثل راحة القلب، ومناسبة الرفقة، وتيسير السير، وأمن الطريق من

المخاوف، وغير ذلك من الأسباب. فكم من سفر امتد أيامًا كثيرة، لكن الله هونه، ويسره على أهله. وكم من سفر قصير صار أصعب من كل صعب. فما ثَمَّ

إلا تيسير الله ولطفه ومعونته. ولهذا قال في تحقيق تهوين السفر:"اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر"أي: مشقته وصعوبته"وكآبة المنظر"أي: الحزن

(1) سورة الأنبياء آية (80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت