الصفحة 48 من 90

ومنهم بُنان الحمال الزاهد, المتوفى سنة 316 - رحمه الله تعالى- الذي أنكر على واحد من وجهاء أهل الذمة ركوبه الخيل في مصر، وأمره بالنزول وركوب الحمار, كما أُخذ عليهم في عهد الذمة, فبلغ الأمرَ خُمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر فجوّع أسدًا وأُلقي بنان بين يدي الأسد فكان يشمه ولا يؤذيه فرُفع من بين يديه وزاد تعظيم الناس له، فقيل له: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد؟ فقال: لم يكن عليّ بأس ولكن كنت أفكر في سؤر السباع أهو طاهر أم نجس؟!

ومن كلامه: ذكر الله باللسان يورث الدرجات، وذكر الله بالقلب يورث القربات، وكان يُضرب بعبادته المثل.

وجاء إليه رجل يشكو ضياع وثيقة له على رجل دينًا بمائة دينار مصرية -وهي مبلغ ضخم آنذاك- وخاف أن ينكر الرجل الدين وطلب منه الدعاء فقال له: أنا رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى فاذهب فاشتر لي رطلًا، وائتني به حتى أدعو لك، فذهب الرجل وعاد بالحلوى وقد لُفّت بورقة فإذا هي وثيقته الضائعة!! فأخبر الشيخ بذلك فقال: خذ الحلوى وأطعمها صيبانك!!

ولما توفي خرج أكثر أهل مصر في جنازته, وكانت شيئًا عجبًا، رحمه الله تعالى.

ومنهم أحمد بن نصر الدقاق، من أقران الجنيد، وكان من كلامه: مَن لم يصحبه التقى في زهده أكل الحرام المحض.

وقال: كنت مارًا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر، وهذا الذي ذكره يُعد قاعدة مهمة في علم الزهد والرقائق غفل عنها أهل الشطح والبدع فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت