هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، و هي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد و هو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا يتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي، وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضًا: لا تتحقق إلا بالإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق و محاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:-
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصدًا.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته و تورث الاحتقار، و ذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
و لم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منهما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.
تعديل الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم أجمعين ..
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام، مما لا يبقى معها لمرتاب شك في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه و بين المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، و يجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم و إخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، و من ذلك:-
1 -قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدًا} البقرة/143.
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن معنى كلمة (وسطًا) عدولًا خيارًا، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة. تفسير الطبري (2/ 7) و والجامع لأحكام القرآن (2/ 153) و تفسير ابن كثير (1/ 335) .
و قد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عامًا إلا أن المراد به الخصوص، و قيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم. الكفاية للخطيب (ص 64) . فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
2 -قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران/110.
وجه الاستدلال: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها و أول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، و ذلك يقتضي استقامتهم في كل حال و جريان أحوالهم على الموافقة دون المخاطبة، و من البعيد أ يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، و هل الخيرية إلا ذلك، كما أنهلا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطًا أي عدولًا وهم غير ذلك. راجع الموافقات للشاطبي (4/ 40 - 41) .
3 -قوله تعالى {والذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله والذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقًا، لهم مغفرة و رزق كريم} الأنفال/74.
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق و من شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.
4 -قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة/100.