فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 67

و أما ما قيل من أن عليًا كان يلعن في قنوته معاوية و أصحابه، و أن معاوية إذا قنت لعن عليًا و ابن عباس و الحسن والحسين، فهو غير صحيح لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكثر حرصًا من غيرهم على التقيّد بأوامر الشارع الذي نهى عن سباب المسلم و لعنه.

و قد قال صلى الله عليه وسلم: من لعن مؤمنًا فهو كقتله. صحيح البخاري مع الفتح (10/ 479) .

و قوله صلى الله عليه وسلم: لا يكون اللعانون شفعاء و لا شهداء يوم القيامة. صحيح الجامع (2/ 1283) .

ثم إن هذا الأثر - قصة لعن علي على منابر بني أمية - مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد وهو المدائني فيه ضعف. و شيخه لوط بن يحي (أبو مخنف) ليس بثقة متروك الحديث وإخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى و المجاهيل. انظر: السير (7/ 302) والميزان (3/ 419) . وفي سندها أيضًا أبو جناب الكلبي، ضعيف، راجع هذه الرواية الطويلة الملفقة في تاريخ الطبري (5/ 71) .

ثم إن هذا الأثر، و هو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل .. يشير إلى أن عليًا رضي الله عنه كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم!! فماذا لم يتحدثوا عن هذه؟!!

وأما ما سوى هذه الرواية، فهي شبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدق به أهل البدع والأهواء، و سيتم الرد عليها بعد قليل إن شاء الله ..

الشبهة الأولى: ما جاء في صحيح مسلم (برقم 2404) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: خلفه في مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليًا، فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية {قل تعالوا ندعوا أبناءكم .. } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

الجواب: هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسب علي، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب علي، فأجابه سعدًا عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه ولا عاقبه ..

كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالمًا يجبر الناس على سب علي كما يدعون، لما سكت عن سعد ولأجبره على سبه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك ..

يقول النووي رحمه الله في ذلك: قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك. فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ. شرح صحيح مسلم (15/ 175) .

وقال القرطبي في المفهم (6/ 278) : (وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه) .

والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية رضي الله عنه إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه، فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي رضي الله عنهما، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير ..

وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس: أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 355) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت