قد شاع بين الناس قديمًا و حديثًا أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان سببه طمع معاوية في الخلافة، و أن خروج معاوية على علي و امتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام.
و قد جاء في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري رواية تذكر أن معاوية ادّعى الخلافة،
و ذلك من خلال الرواية التي ورد فيها ما قاله ابن الكواء لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: اعلم أن معاوية طليق الإسلام و أن أباه رأس الأحزاب، و أنه ادعى الخلافة من غير مشورة فإن صدقك فقد حلّ خلعه و إن كذبك فقد حرم عليك كلامه. الإمامة و السياسة (1/ 113) .
لكن الصحيح أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان حول مدى وجوب بيعة معاوية و أصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، و ليس هذا من أمر الخلافة في شيء. فقد كان رأي معاوية رضي الله عنه و من حوله من أهل الشام أن يقتص علي رضي الله عنه من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة.
يقول إمام الحرمين الجويني في لمع الأدلة: إن معاوية و إن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته و لا يدعيها لنفسه، و إنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب، و كان مخطئًا. لمع الأدلة في عقائد أهل السنة للجويني (ص 115) .
أما شيخ الإسلام فيقول: بأن معاوية لم يدّع الخلافة و لم يبايع له بها حتى قتل علي، فلم يقاتل على أنه
خليفة، و لا أنه يستحقها، و كان يقر بذلك لمن يسأله. مجموع الفتاوى (35/ 72) .
و يورد ابن كثير في البداية و النهاية (7/ 360) ، عن ابن ديزيل - هو إبراهيم بن الحسين بن علي الهمداني المعروف بابن ديزيل الإمام الحافظ (ت 281 هـ) انظر: تاريخ دمشق (6/ 387) و سير أعلام النبلاء (13/ 184 - 192) و لسان الميزان لابن حجر (1/ 48) -، بإسناد إلى أبي الدرداء و أبي أمامة رضي الله عنهما، أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك و من أبيك إسلامًا، و أقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان، و أنه آوى قتلة عثمان، فاذهبا إليه فقولا: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام.
و يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص 325) : و من اعتقاد أهل السنة و الجماعة أن ما جرى بين معاوية و علي رضي الله عنهما من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي .. فلم تهج الفتنة بسببها، و إنما هاجت بسبب أن معاوية و من معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي.
و هكذا تتضافر الروايات و تشير إلى أن معاوية رضي الله عنه خرج للمطالبة بدم عثمان، و أنه صرح بدخوله في طاعة علي رضي الله عنه إذا أقيم الحد على قتلة عثمان. و لو افترض أنه اتخذ قضية القصاص
و الثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعًا في السلطة، فماذا سيحدث لو تمكن علي من إقامة الحد على قتلة عثمان.
حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي و مبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، و لا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع.
إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي، و من أفاضل الصحابة، و أصدقهم لهجة، و أكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، و هو القائل: والله لا أخير بين أمرين، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على ما سواه. سير أعلام النبلاء للذهبي (3/ 151) .
أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان رضي الله عنه فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي رضي الله عنه قبل
مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان، بل و يلتمس منه أن يمكنه منهم، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، بل يدخل في الطاعة و يرفع دعواه إلى الحاكم و يطلب الحق عنده.
و يمكن أن نقول إن معاوية رضي الله عنه كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم و ذكّرهم أنه ولي عثمان -ابن عمه - و قد قتل مظلومًا و قرأ عليهم الآية الكريمة {و من قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} الإسراء/33